وجعلهما إتمامًا لمخارج حروف الكلام ونهاية له، كما جعل أقصى الحلق بدايةً له، واللسان وما جاوره وسطًا. ولهذا كان أكثر العمل فيها له إذ هو الواسطة. واقتضت حكمته أن جعل الشّفتين لحمًا صرفًا لا عظم فيه ولا عصب ليتمكّن بهما من مصّ الشراب، ويسهل عليه فتحهما وطبقهما. وخصّ الفكّ الأسفل بالتحريك؛ لأن تحريك الأخفّ أحسن، ولأنه يشتمل على الأعضاء الشريفة فلم يخاطر بها في الحركة.
وخلق سبحانه الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسِّعة والخشونة والملامسة والصلابة واللّين والطول والقصر، فاختلفت بذلك الأصوات أعظم اختلاف، ولا يكاد يشتبه صوتان إلاَّ نادرًا. ولهذا كان الصحيح قبول شهادة الأعمى لتمييزه بين الأشخاص بأصواتهم، كما يميّز البصير بينهم بصورهم. والاشتباه العارض بين الأصوات كالاشتباه العارض بين الصور.
وزيّن سبحانه الرأس بالشعر وجعله لباسًا له لاحتياجه إليه، وزيّن الوجه بما أنبت فيه من الشعور المختلفة الأشكال والمقادير؛ فزّينه بالحاجبين، وجعلهما وقاية لما يتحدّر من بشرة الرأس إلى العينين، وقوّسهما وأحسن خطّهما، وزيّن أجفان العينين بالأهداب، وزيّن الوجه أيضًا باللحية، وجعلها كمالًا ووقارًا ومهابًة للرجل، وزيّن الشفتين بما أنبت فوقهما من الشارب وتحتهما من العنفقة.
وكذلك خلقه سبحانه لليدين اللتين هما آلة العبد، وسلاحه ورأس مال معاشه، فطوّلهما بحيث يصلان إلى ما شاء من بدنه، وعرّض الكفّ ليتمكّن به من القبض والبَسْط، وقسم فيه الأصابع الخمس، وقسم كل إصبع بثلاث أنامل، والإبهام باثنتين، ووضع الأصابع الأربعة في جانب والإبهام في جانب، لتدوّر الإبهام على الجميع فجاءت على أحسن وضع صَلُحَت به