فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 420

العظيم الذي لا إله غيره ولا ربّ سواه، فدع تسميته طبيعة أو عقلًا فعّالًا، أو موجِبًا بذاته وقل: هذا هو الله الخالق البارئ المصوّر، ربّ العالمين، وقيّوم السماوات والأرضين، وربّ المشارق والمغارب، الذي أحسن كل شيء خلقه وأتقن ما صنع، فما لك جحدت أسماءه وصفاته وذاته، وأضفت صنيعه إلى غيره، وخلقه إلى سواه؛ مع أنك مضطر إلى الإقرار به وإضافة الإبداع والخلق والربوبية والتدبير إليه ولا بدّ والحمد لله ربّ العالمين. على أنك لو تأمّلت قولك: طبيعة ومعنى هذه اللفظة لدلّك على الخالق البارئ لفظها، كما دلّ العقول عليه معناها؛ لأن طبيعة فعيلة بمعنى مفعولة أي مطبوعة، ولا يحتمل غير هذا البتّة؛ لأنها على بناء الغرائز التي رُكِّبت في الجسم ووُضِعَت فيه، كالسجيّة والغريزة والبحيرة والسليقة والطبيعة؛ فهي التي طُبِعَ عليها الحيوان وطُبعت فيه. ومعلوم أن طبيعة من غير طابع لها محال، فقد دلّ لفظ الطبيعة على البارئ تعالى كما دلّ معناها عليه. والمسلمون يقولون: إن الطبيعة خلق من خلق الله مُسَخَر مربوب، وهي سُنَّته في خليقته التي أجراها عليه، ثم أنه يتصرّف فيها كيف شاء، وكما شاء فيسلبها تأثيرها إذا أراد، ويقلّب تأثيرها إلى ضدّه إذا شاء ليُرِي عباده أنه وحده الخالق البارئ المُصوّر، وأنه يخلق ما يشاء كما يشاء: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس:82) .وإن الطبيعة التي انتهى نظر الخفافيش إليها إنما هي خلق من خلقه بمنزلة سائر مخلوقاته، فكيف يحسُن بمَن له حظّ من إنسانية أو عقل أن ينسى من طبعها وخلقها، ويحيل الصّنع والإبداع عليها؟ ولم يزل الله سبحانه يسلبها قوّتها ويحيلها ويقلبها إلى ضدّ ما جعلت له حتى يرى عباده أنها خلقه وصنعه ومسخّرة بأمره (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف: من الآية 54) ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت