فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 420

إلى أن قال رحمه الله تعالى: «فمن ذا الذي تولى ذلك كله وأحكمه ودبَّره وقدَّره أحسن تقدير؟ وكأني بك أيها المسكين تقول هذا كله من فعل الطبيعة. وفي الطبيعة عجائب وأسرار فلو أراد الله أن يهديك لسألت نفسك بنفسك وقلت: أخبرني عن هذه الطبيعة: أهي ذاتٌ قائمة بنفسها لها علم وقدرة على هذه الأفعال العجيبة؟ أم ليست كذلك بل عرض وصفة قائمة بالمطبوع تابعة له محمولة فيه؟ فإن قالت لك: بل هي ذات قائمة بنفسها لها العلم التامّ والقدرة والإرادة والحكمة، فقل لها: هذا هو الخالق البارئ المصوّر، فلِمَ تسمينه طبيعة؟ ويا لله من ذكر الطبائع ومَن يرغب فيها؛ فهلاّ سمّيته بما سمّى به نفسه على ألسن رُسُله ودخلت في جملة العقلاء والسعداء؟! فإن هذا الذي وصفت به الطبيعة صفته تعالى. وإن قالت لك: بل الطبيعة عرض محمول مُفتَقِر إلى حامل، وهذا كله فعلها بغير علم منها، ولا إرادة ولا قدرة ولا شعور أصلًا، وقد شُوهِدَ من آثارها ما شُوهِدَ، فقل لها: هذا ما لا يصدّقه ذو عقل سليم؛ كيف تصدُر هذه الأفعال العجيبة والحِكَم الدقيقة التي تعجز عقول العقلاء عن معرفتها، وعن القدرة عليها ممّن لا عقل له ولا قدرة ولا حكمة ولا شعور؟! وهل التصديق بمثل هذا إلاَّ دخول في سلك المجانين والمبرسمين؟ ثم قل لها بعد: ولو ثبت لك ما ادّعيت فمعلوم أن مثل هذه الصفة ليست بخالقة لنفسها، ولا مُبدِعة لذاتها، فمَن ربّها ومُبدِعها وخالقها؟ ومَن طبعها وجعلها تفعل ذلك؟ فهي إذًا من أدلّ الدلائل على بارئها وفاطرها، وكمال قدرته وعلمه وحكمته، فلم يُجْدِ عليك تعطيلك ربّ العالم وجحدك لصفاته وأفعاله إلاّ مخالفتك العقل والفطرة، ولو حاكمناك إلى الطبيعة لرأيناك أنك خارج عن موجبها؛ فلا أنت مع موجب العقل والفطرة، ولا الطبيعة ولا الإنسانية أصلًا. وكفى بذلك جهلًا وضلالًا؛ فإن رجعت إلى العقل وقلت: لا يوجد حكمة إلاَّ من حكيم قادر عليم، ولا تدبير متقن إلاّ من صانع قادر مختارٍ مدبّر عليم بما يريد قادر عليه لا يُعجزه ولا يؤوده، قيل لك: فإذا أقررت ويحك بالخلاّق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت