ويقول في موطن آخر: «ثم تأمل حكمة الله عزّ وجلّ في الحفظ والنسيان الذي خصّ به نوع الإنسان، وما له فيهما من الحِكَم، وما للعبد فيهما من المصالح؛ فإنه لولا القوة الحافظة التي خُصَّ بها لدخل عليه الخلل في أموره كلها، ولم يعرف ما له وما عليه، ولا ما أخذ ولا ما أعطى، ولا ما سمع ورأى، ولا ما قال ولا ما قيل له، ولا ذكر من أحسن إليه ولا من أساء إليه، ولا من عامله ولا من نفعه فيقرب منه، ولا من ضرّه فينأى عنه؛ ثم كان لا يهتدي إلى الطريق الذي سلكه أول مرة ولو سلكه مرارًا، ولا يعرف علمًا ولو درسه عمره، ولا ينتفع بتجربة، ولا يستطيع أن يعتبر شيئًا على ما مضى بل كان خليقًا أن ينسلخ من الإنسانية أصلًا. فتأمّل عظيم المنفعة عليك في هذه الخلال وموقع الواحدة منها فضلًا عن جميعهنّ.
ومن أعجب النِّعَم عليه نعمة النسيان؛ فإنه لولا النسيان لَمَا سَلاَ شيئًا ولا انقضت له حسرة ولا تعزّى عن مصيبة ولا مات له حزن، ولا تمتّع بشيء من متاع الدنيا مع تذكّر الآفات، ولا رجا غفلة عدو، ولا نقمة من حاسد؛ فتأمّل نعمة الله في الحفظ والنسيان مع اختلافهما وتضادّهما وجعله في كل واحد منهما ضربًا من المصلحة.
ثم تأمّل هذا الخُلُق الذي خصّ به الإنسان دون جميع الحيوان وهو خُلُق الحياء، الذي هو من أفضل الأخلاق، وأجلّها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا، بل هو خاصّة الإنسانية؛ فمَن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلاّ اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء، ولولا هذا الخلق لم يقر الضيف، ولم يُوفِ بالوعد، ولم تؤدّ أمانة، ولم يقض لأحد حاجة، ولا تحرّى الرجل الجميل فآثره والقبيح فتجنّبه، ولا ستر له عورة، ولا امتنع من فاحشة. وكثير من الناس لولا الحياء الذي فيه لم يؤدّ شيئًا من الأمور المفترضة عليه، ولم يرع لمخلوق حقًا، ولم يَصِل له رحمًا ولا برَّ له والدًا» (11) .