فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 420

وقال أيضًا: «تأمّل نعمة الله على الإنسان بالبيانين: البيان النطقي، والبيان الخطي. وقد اعتدّ بهما سبحانه في جملة ما اعتدّ به من نعمه على العبد؛ فقال في أول سورة أُنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق:1 - 5) ... فذكر التعليم بالقلم الذي هو من أعظم نعمه على عباده؛ إذ به تخلد العلوم، وتثبت الحقوق، وتعلم الوصايا، وتحفظ الشهادات، ويضبط حساب المعاملات الواقعة بين الناس، وبه تقيّد أخبار الماضين للباقين اللاّحقين. ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض، ودُرِسَت السُّنن وتخبّطت الأحكام، ولم يعرف الخلف مذاهب السّلف، وكان معظم الخلل الداخل على الناس في دينهم ودنياهم إنما يعتريهم من النسيان الذي يمحو صور العلم من قلوبهم؛ فجعل لهم الكتاب وعاءً حافظًا للعلم من الضياع كالأوعية التي تحفظ الأمتعة من الذهاب والبطلان؛ فنعمة الله عزّ وجلّ بتعليم القلم بعد القرآن من أجلّ النّعم. والتعليم به وإن كان مما يخلص إليه الإنسان بالفطنة والحيلة فإنه الذي بلغ به ذلك وأوصله إليه عطية وهبها الله منه، وفضل أعطاه الله إياه، وزيادة في خلقه وفضله؛ فهو الذي علّمه الكتابة، وإن كان هو المتعلِّم ففِعله فِعْل مطاوع لتعليم الذي علّم بالقلم؛ فإنه علمه فتعلَّم كما أنه علَّمه الكلام فتكلَّم. هذا ومن أعطاه الذهن الذي يَعي به، واللسان الذي يترجم به، والبَنان الذي يخط به؟ ومن هيأ ذهنه لقبول هذا التعليم دون سائر الحيوانات؟ ومَن الذي أنطق لسانه وحرّك بنانه؟ ومَن الذي دعّم البنان بالكفّ، ودعّم الكفّ بالساعد؟ فكم لله من آية نحن غافلون عنها في التعلّم بالقلم. فقف وقفة في حال الكتابة وتأمّل حالك وقد أمسكت القلم وهو جماد، ووضعته على القرطاس وهو جماد فتولّد من بينهما أنواع الحِكَم، وأصناف العلوم، وفنون المراسلات، والخطب والنظم والنثر، وجوابات المسائل. فمَن الذي أجرى تلك المعاني على قلبك ورسمها في ذهنك ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت