أجرى العبارات الدالّة عليها على لسانك، ثم حرّك بها بنانك حتى صارت نقشًا عجيبًا معناه أعجب من صورته؛ فتقضي به مآربك وتبلغ به حاجة في صدرك، وترسله إلى الأقطار النائية والجهات المتباعدة؛ فيقوم مقامك، ويترجم عنك، ويتكلم على لسانك، ويقوم مقام رسولك، ويجدي عليك ما لا يجدي من ترسُله سوى مَن علّم بالقلم الإنسان ما لم يعلم ... » (12) .
وفي خاتمة هذا الفصل والذي قبله - والذي تبين فيهما بديع صنع الله عزّ وجلّ، وحكمته البالغة وعظمته ورحمته فيما خلق في الآفاق وفي الأنفس - أنقل كلامًا نفيسًا للإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - بيَّن فيه شهادة الفطرة والعقل والسمع على سعة علمه سبحانه، ورحمته وحكمته سبحانه في خلقه وأمره، وأن ما خفي على العقول من حكمته سبحانه في ذلك كثير وكثير، وأن المؤمن يرد ما غاب عنه من الحكمة على ما ظهر منها، فيذعن ويسلم، ويخضع لربه العليم الحكيم الرحيم العظيم، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى.
يقول رحمه الله تعالى: «قد شهدت الفِطَر والعقول بأن للعالم ربًّا قادرًا حليمًا عليمًا رحيمًا كاملًا في ذاته وصفاته، لا يكون إلاّ مُريدًا للخير لعباده، مُجرِيًا لهم على الشريعة والسُّنّة الفاضلة العائدة باستصلاحهم، الموافقة لما ركّب في عقولهم من استحسان الحسن واستقباح القبيح، وما جبل طِباعهم عليه من إيثار النافع لهم المُصلِح لشأنهم، وترك الضارّ المُفسِد لهم، وشهدت هذه الشريعة له بأنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وأنه المحيط بكل شيء علمًا، الذي لا يشاركه في علمه ولا حكمته أحد أبدًا؛ فحسب العقول الكاملة أن تستدل بما عرفت من حكمته على ما غاب عنها، وتعلم أن له حكمة في كل ما خلقه وأمر به، وشرعه. وهل تقتضي الحكمة أن يخبر الله تعالى كل عبد من عباده بكل ما يفعله، ويوقفهم على وجه تدبيره في كل ما يريده، وعلى حكمته