في صغير ما ذرأ وبرأ من خليقته؟ وهل في قوى المخلوقات ذلك؟ بل طوى سبحانه كثيرًا من صنعه وأمره عن جميع خلقه فلم يُطلِع على ذلك ملكًا مقرّبًا ولا نبيًّا مرسلًا.
والمدبّر الحكيم من البشر إذا ثبتت حكمته، وابتغاؤه الصلاح لمن تحت تدبيره وسياسته كفى في ذلك تتبّع مقاصده فيمَن يولي ويعزل، وفي جنس ما يأمر به وينهى عنه، وفي تدبيره لرعيّته وسياسته لهم دون تفاصيل كل فعل من أفعاله؛ اللّهمَّ إلاّ أن يبلغ الأمر في ذلك مبلغًا لا يوجد لفعله منفذ ومساغ في المصلحة أصلًا؛ فحينئذ يخرج بذلك عن استحقاق اسم الحكيم. ولن يجد أحد في خلق الله، ولا في أمره، ولا واحدًا من هذا الضرب؛ بل غاية ما تُخرجه نفس المتعنّت أمور يعجز العقل عن معرفة وجوهها وحكمتها. وأما أن ينفي ذلك عنها فمعاذ الله، إلاّ أن يكون ما أخرجه كذب على الخلق والأمر، فلم يخلق الله ذلك ولا شرعه. وإذا عرف هذا فقد عُلم أن ربّ العالمين أحكم الحاكمين، والعالم بكل شيء، والغني عن كل شيء، والقادر على كل شيء. ومن هذا شأنه لم تخرج أفعاله وأوامره قطّ عن الحكمة والرحمة والمصلحة. وما يخفى على العباد من معاني حكمته في صنعه وإبداعه وأمره وشرعه فيكفيهم فيه معرفته بالوجه العامّ أن تضمَّنته حكمة بالغة وإن لم يعرفوا تفصيلها، وأن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله به؛ فيكفيهم في ذلك الإسناد إلى الحكمة البالغة العامّة الشاملة التي علموا ما خفي منها بما ظهر لهم ... » (13) .
(1) انظر: (ص 23) .
(2) «تفسير ابن كثير» عند الآية: (53) من سورة فصلت.
(3) «تفسير ابن كثير» عند الآية: (21) من سورة الذاريات.