سبب صحتك، وهو أدنى فوائد العقل، والحكمة الكبرى فيه معرفة الله تعالى. وما ذكرنا من الحواس الخمس الظاهرة فهي بعض الإدراكات ...
ثم انظر بعد ذلك في الإرادة والقدرة، وآلات الحركة من أصناف النعم، وذلك أنه لو خلق لك البصر حتى تدرك به الطعام، ولم يخلق لك في الطبع شوقًا إليه وشهوة تستحثك على الحركة، كان البصر معطلًا، فكم من مريض يرى الطعام وهو أنفع الأشياء له، ولا يقدر على تناوله لسقوط شهوته، فخلق لك الله شهوة الطعام وسلطها عليك، كالمتقاضي الذي يضطرك إلى تناول الغذاء.
ثم هذه الشهوة لو لم تسكن عند أخذ مقدار الحاجة من الطعام، لأسرفت وأهلكت نفسك، فخلق لك الكراهة عند الشبع لتترك الأكل بها، وكذلك القول في شهوة الوقاع لحكمة بقاء النسل.
ثم خلق لك الأعضاء التي هي آلات الحركة في تناول الغذاء وغيره؛ منها اليدان، وهما مشتملتان على مفاصل كثيرة لتتحرك في الجهات وتمتد وتنثني، ولا تكون كخشبة منصوبة.
ثم جعل رأس اليد عريضًا، وهو الكف، وقسمه خمسة أقسام: وهي الأصابع وجعلها مختلفة في الطول والقصر، ووضعها في صفين، بحيث يكون الإبهام في جانب، ويدور على الأصابع البواقي، ولو كانت مجتمعة متراكمة لم يحصل تمام الغرض، ثم خلق لها أظافر، وأسند إليها رؤوس الأصابع لتقوى بها، ولتلتقط بها بعض الأشياء الدقيقة التي لا تحويها الأصابع، ثم هب أنك أخذت الطعام باليد، فلا يكفيك حتى يصل إلى بطنك، فجعل لك الفم واللحيين؛ خلقهما من عظمين، وركب فيهما الأسنان، وقسمها بحسب ما يحتاج إليه الطعام، فبعضها قواطع كالرباعيات، وبعضها يصلح للكسر كالأنياب، وبعضها طواحن كالأضراس. وجعل اللحي الأسفل متحركًا حركة