والعبد أسير الإحسان - كما يقال - والإنعام والبر والإحسان يستولي على نفس العبد ويدفعه إلى محبة المسدي والمنعم، ولا منعم على الحقيقة ولا محسن إلا الله عز وجل؛ إذن فلا أحد يحب لذاته إلا الله عز وجل، ومن سواه فلا يحب إلا لله عز وجل.
يقول ابن قدامة - رحمه الله تعالى: «فلا محبوب في الحقيقة عند ذوي البصائر إلا الله تعالى، ولا مستحق للمحبة كلها سواه.
وإيضاح ذلك يرجع - بمقتضى العقل - إلى أسباب:
أحدها: أن الإنسان يحب نفسه وبقاءه وكماله ودوام وجوده، ويكره ضد ذلك من الهلاك والعدم والنقصان. وهذه جبلة كل حي، لا يتصور أن ينفك عنها. وهذا يقتضي غاية المحبة لله عز وجل؛ فإن الإنسان إذا عرف ربه، عرف قطعًا أن وجوده ودوامه وكماله من الله، وأنه البارئ له، الموجد لذاته بعد أن كان عدمًا محضًا لولا فضل الله عليه بإيجاده، وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل الله عليه بالتكميل. وكيف يتصور أن يحب الإنسان نفسه، ولا يحب ربه الذي به قوام نفسه؟
السبب الثاني: أن الإنسان بالطبع يحب من أحسن إليه، ولاطفه وواساه، وانتدب لنصرته وقمع أعداءه وأعانه على جميع أغراضه، فإنه محبوب عنده لا محالة.
وإذا عرف الإنسان ذلك حق المعرفة، علم أن المحسن إليه هو الله سبحانه وتعالى فقط، وأنواع إحسانه لا يحيط بها حصر.