بيان ذلك أنه لو فُرض أن شخصًا أنعم عليك بجميع خزائنه وما يملك، ومكنك فيها لتتصرف كيف شئت، فإنك تظن أن هذا الإحسان منه، وهذا غلط، فإنه إنما تم إحسانه بماله وبقدرته على المال وبداعيته الباعثة له على صرف المال بإرادة الله، وإلا فمن الذي أنعم بخلقه وخلق ماله وخلق إرادته وداعيته؟ ومن الذي حببك إليه؟ وصرف وجهه إليك، وألقى في نفسه أن صلاح دينه ودنياه في الإحسان إليك، ولولا ذلك ما أعطاك؟ فكأنه صار مقهورًا في التسليم لا يستطيع مخالفته.
السبب الثالث: أن المحسن المنعم من البشر، محبوب في الطباع وإن لم يصل إليك إحسانه؛ فإنك لو بلغك عن ملك من الملوك أنه عالم عابد عادل، رفيق بالناس متطلف بهم، وهو في قطر بعيد، فإنك تحبه، وتجد في نفسك ميلًا كثيرًا إليه، فهذا حب المحسن من حيث إنه محسن، فضلًا عن أن يكون محسنًا إليك، فكيف بمن أنت أثر من آثار إحسانه؟ بل حسنة من حسنات قدرته؟
إن هذا يقتضي حب الله تعالى، بل يقتضي أن لا يُحب غيره، إلا بحيث أن يتعلق منه بسبب؛ فإنه سبحانه هو المحسن إلى الكل كافة بإيجادهم وتكميلهم ومدهم بالأسباب التي هي من ضروراتهم وترفيههم، إلى غير ذلك من النعم التي لا تحصى» (32) .
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: «ولا بد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله عز وجل، فتعتصم به، فتقل آفاتها، أو تذهب عنها بالكلية بحول الله وقوته.
فنقول: اعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء. وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة؛ قال الله تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ