فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 420

ويقول في موطن آخر وهو يتحدث عن يقظه النفس من غفلتها: «ثم يلحظ في نور تلك اليقظة وُفورَ نعمة ربه عليه من حين استقر في الرحم إلى وقته وهو ينقلب فيها ظاهرًا وباطنًا، ليلًا ونهارًا، ويقظة ومنامًا، سرًا وعلانية؛ فلو اجتهد في إحصاء أنواعها لما قدر، ويكفي أن أدناها نعمة النفس، ولله عليه في كل يوم أربع وعشرون ألف نعمة فما ظنك بغيرها.

ثم يرى في ضوء ذلك النور أنه آيس من حصرها وإحصائها، عاجز عن أداء حقها، وأنَّ المنعم بها إن طالبه بحقوقها استوعب جميع أعماله حق نعمة منها، فيتيقن حينئذ أنه لا مطمع له في النجاة إلا بعفو الله ورحمته وفضله.

ثم يرى في ضوء تلك اليقظة أنه لو عمل أعمال الثقلين من البر لاحتقرها بالنسبة إلى جنب عظمة الرب تعالى وما يستحقه بجلال وجهه وعظيم سلطانه؛ هذا لو كانت أعماله منه، فكيف وهي مجرد فضل الله ومنته وإحسانه؛ حيث يسرها له وأعانه عليها وهيأه لها وشاءها منه وكونها، ولو لم يفعل ذلك لم يكن له سبيل إليها، فحينئذ لا يرى أعماله منه، وأن الله سبحانه لن يقبل عملًا يراه صاحبه من نفسه حتى يرى عين توفيق الله له وفضله عليه ومنته، وأنه من الله لا من نفسه، وأنه ليس له من نفسه إلا الشر وأسبابه، وما به من نعمة فمن الله وحده؛ صدقة تصدق بها عليه، وفضلا منه ساقه إليه من غير أن يستحقه بسبب ويستأهله بوسيلة، فيرى ربه ووليه ومعبوده أهلا لكل خير، ويرى نفسه أهلا لكل شر. وهذا أساس جميع الأعمال الصالحة والظاهرة والباطنة، وهو الذي يرفعها ويجعلها في ديوان أصحاب اليمين» (41) .

ويتحدث - رحمه الله تعالى - عن نعمة العلم والإيمان ومتى ينتفع العبد بهما فيقول: «لا ينتفع بنعمة الله بالإيمان والعلم إلا من عرف نفسه ووقف بها عند قدرها، ولم يتجاوزه إلى ما ليس له ولم يتعد طوره، ولم يقل: هذا لي، وتيقن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت