عفو الله ومغفرته، فإن لم يداركه بذلك هلك. وكلما كان أفقه في دين الله كان شهوده للواجب عليه أتم، وشهوده لتقصيره أعظم. وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة؛ بل بالقيام مع ذلك بالأمور المحبوبة لله. وأكثر الديانين لا يعبأون منها إلا بما شاركهم فيه عموم الناس. وأما الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه؛ فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم، فضلًا عن أن يريدوا فعلها، وفضلًا عن أن يفعلوها، وأقل الناس دينًا وأمقتهم إلى الله من ترك هذه الواجبات، وإن زهد في الدنيا جميعها. وقل أن ترى منهم من يحمر وجهه ويمعره لله، ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه. وأصحاب الكبائر أحسن حالًا عند الله من هؤلاء. وقد ذكر أبو عمر وغيره أن الله تعالى أمر ملكًا من الملائكة أن يخسف بقرية، فقال: يا رب إن فيهم فلانًا العابد الزاهد، قال: به فابدأ، وأسمعني صوته؛ إنه لم يتمعر وجهه فيَّ يومًا قط.
وأما شهود النعمة، فإنه لا يدع له رؤية حسنة من حسناته أصلًا، ولو عمل أعمال الثقلين؛ فإن نعم الله سبحانه أكثر من أعماله، وأدنى نعمة من نعمه تستنفد عمله؛ فينبغي للعبد ألا يزال ينظر في حق الله عليه.
قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا جرير بن حازم، عن وهب، قال: بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مرّ برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب ارحمه فإني قد رحمته، فأوحى الله إليه: لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليه.
فمشاهدة العبد النعمة والواجب لا تدع له حسنة يراها؛ ولا يزال مزريًا على نفسه ذامًا لها. وما أقربه من الرحمة إذا أعطى هذين المشهدين حقهما، والله المستعان» (40) .