بني ضمرة. فقال له جعفر: «ما بالك جالسًا على التراب، ليس تحتك بساط، وعليك هذه الأخلاق؟! قال: إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى صلى الله عليه وسلم أن حقًا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعًا عندما يحدث الله لهم من نعمه، فلما أحدث الله لي نصر نبيه أحدثت لله هذا التواضع (53) .
وقيل للحسن: ها هنا رجل لا يجالس الناس. فجاء إليه فسأله عن ذلك، فقال: إني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة، فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بالاستغفار من الذنب، والشكر لله على النعمة؛ فقال له الحسن: أنت عندي يا عبد الله أفقه من الحسن، فالزم ما أنت عليه (54) .
وذكر ابن أبي الدنيا أن محارب بن دثار كان يقوم بالليل ويرفع صوته أحيانًا: أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد، وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الصعلوك الذي مولته فلك الحمد، وأنا العزب الذي زوجته فلك الحمد، وأنا الساغب الذي أشبعته فلك الحمد، وأنا العاري الذي كسوته فلك الحمد، وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد، وأنا الغائب الذي رددته فلك الحمد، وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد، وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد، وأنا السائل الذي أعطيته فلك الحمد، وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد .. ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا (55) .
وكان بعض الخطباء يقول في خطبته: اختط لك الأنف فأقامه وأتمه فأحسن تمامه، ثم أدار منك الحدقة فجعلها بجفون مطبقة، وبأشفار معلقة، ونقلك من طبقة إلى طبقة، وحنن عليك قلب الوالدين برقه ومقة؛ فنعمه عليك مورقة، وأياديه بك محدقة (55) .