فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 420

والقرآن لا يَرِدُ بخلاف الحسِّ. ويعتمد على هذا الظن إذا أُديل عليه عدوٌّ من جنس الكفار والمنافقين، أو الفجرة الظالمين؛ وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى، فيرى أن صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق، فيقول: أنا على الحقِّ، وأنا مغلوبٌ، فصاحب الحقِّ في هذه الدنيا مغلوبٌ مقهور، والدولة فيها للباطل.

فإذا ذكر بما وعده الله تعالى من حسن العاقبة للمتقين والمؤمنين، قال: هذا في الآخرة.

وإذا قيل له: كيف يفعلُ الله تعالى هذا بأوليائه وأحبائه، وأهل الحق؟ فإن كان ممن لا يعلل أفعال الله بالحكم والمصالح قال: يفعل الله في ملكه ما يشاء، ويحكم ما يريد (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (الأنبياء:23) .

وإن كان ممن يعلل الأفعال قال: فعل بهم هذا ليعرضهم بالصبر عليه لثواب الآخرة وعلوِّ الدرجات، وتوفية الأجر بغير حساب ... وهذه الأقوال والظنون الكاذبة الحائدة عن الصواب مبنيةٌ على مُقدمتين:

إحداهما: حُسْنُ ظن العبد بنفسه وبدينه، واعتقادُه أنه قائمٌ بما يجبُ عليه، وتارك ما نُهي عنه، واعتقاده في خصمه وعدُوِّه خلاف ذلك، وأنه تارك للمأمور، مرتكب للمحظور، وأنه نَفْسُه أولى بالله ورسوله ودينه منه.

والمقدمة الثانية: اعتقاده أن الله سبحانه وتعالى قد لا يُؤَيِّد صاحب الدين الحق وينْصُره، وقد لا يجعلُ له العاقبة في الدنيا بوجهٍ من الوجوه، بل يعيشُ عمره مظلومًا مقهورًا مُسْتضامًا، مع قيامه بما أُمِرَ به ظاهرًا وباطنًا، وانتهائه عما نُهي عنه باطنًا وظاهرًا، فهو عند نفسه قائمٌ بشرائع الإسلام، وحقائق الإيمان، وهو تحت قَهْر أهل الظلم والفجور والعُدْوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت