ومعلومٌ أن كمال العبد هو بأن يكون عارفًا بالنعيم الذي يطلُبُه، والعمل الذي يُوصل إليه، وأن يكون مع ذلك فيه إرادة جازمة لذلك العملِ، ومحبَّةٌ صادقة لذلك النعيم، وإلا فالعلمُ بالمطلوب وطريقه لا يُحصِّله إن لم يَقْترن بذلك العملُ، والإرادةُ الجازمةُ لا تُوجب وجودَ المراد إلا إذا لازمها الصَّبر.
فصارتْ سعادةُ العبد وكمال لذَّتِه ونعيمه موقوفًا على هذه المقامات الخمسة: علمه بالنعيم المطلوب، ومحبَّته له، وعلمه بالطريق الموصِّل إليه، وعمله به، وصَبره على ذلك.
قال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر:1 - 3) .
والمقصود: أن المقدمتين اللَّتين تَثْبتُ عليهما هذه الفتنةُ أصلُهما الجهلُ بأمرِ الله ودِينه، وبوَعْده ووَعيده.
فإن العبدَ إذا اعتقدَ أنه قائمٌ بالدين الحقِّ، فقد اعتقد أنه قد قامَ بفعل المأمور باطنًا وظاهرًا، وتركَ المحظور باطنًا وظاهرًا، وهذا من جَهله بالدين الحقَّ، وما لله عليه، وما هو المراد منه؛ فهو جاهلٌ بحقِّ الله عليه، جاهلٌ بما معه من الدين، قَدْرًا ونوعًا، وصِفًة.
وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصُره الله تعالى في الدنيا والآخرة، بل قد تكون العاقبة في الدنيا للكفار والمنافقين على المؤمنين، وللفجَّار الظالمين على الأبرار المتقين، فهذا من جهله بوعد الله تعالى ووعيده.
فأما المقام الأول: فإن العبد كثيرًا ما يترك واجبات لا يعلم بها، ولا بوجوبها، فيكون مقصِّرًا في العلم، وكثيرًا ما يتركُها بعد العلم بها وبوجوبها؛ إمَّا كسلًا