وتهاونًا، وإما لنوع تأويل باطل، أو تقليد، أو لظنِّه أنه مشتغلٌ بما هو أوجبُ منها، أو لغير ذلك. فواجباتُ القلوب أشدُّ وجوبًا من واجبات الأبدانِ، وآكدُ منها، وكأنها ليست من واجبات الدِّين عند كثير من الناس، بل هي من باب الفضائلِ والمستحباتِ.
فتراهُ يتحرَّجُ من ترك فرض، أو من ترك واجب من واجبات البدن، وقد ترك ما هو أهمُّ من واجبات القلوب وأفراضها، ويتحرَّجُ من فعل أدنى المحرَّمات وقد ارتكب من محرمات القلوب ما هو أشدُّ تحريمًا وأعظم إثمًا.
بل ما أكثر ما يتعبدُ لله عز وجل بترك ما أوجب عليه، فيتخلى وينقطع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قُدْرَته عليه، ويزعُمُ أنه مُتقرِّبٌ إلى الله تعالى بذلك، مجتمعٌ على رَبِّه، تاركٌ ما لا يعنيه؛ فهذا من أمْقَتِ الخلق إلى الله تعالى، وأبغضهم إليه، مع ظنِّه أنه قائمٌ بحقائق الإيمان وشرائع الإسلام، وأنه من خواصِّ أوليائه وحزبه.
بل ما أكثر من يتعبَّدُ لله بما حرمه الله عليه، ويعتقد أنه طاعةٌ وقُرْبَة، وحاله في ذلك شَرٌّ من حال من يعتقد ذلك معصيًة وإثمًا؛ كأصحاب السماع الشعْرِى الذي يتقربون به إلى الله تعالى، ويظنُّون أنهم من أولياء الرحمن، وهم في الحقيقة من أولياء الشيطان.
وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحقُّ من كل وجه، ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون معه نوعٌ من الحقِّ ونوعٌ من الباطل والظلم، ومع خصمه نوعٌ من الحق والعدل، وحُبُّك الشيء يُعمي ويُصِمُّ. والإنسان مجْبولٌ على حُب نفسه؛ فهو لا يرى إلا محاسنها، ومُبْغِضٌ لخصمْه، فهو لا يرى إلا مَساويَه، بل قد يَشْتدُّ به حُبُّه لنفسه حتى يرى مساويها محاسنَ، كما قال تعالى: (أَفَمَنْ