ولهذا أمر الله سبحانه رسوله والمؤمنين باتباع ما أُنزل إليهم، وهو طاعته، وهو المقدمة الأولى، وأمر بانتظار وَعده، وهو المقدمة الثانية، وأمر بالاستغفار والصبر لأن العبدَ لا بدّ أن يحصل له نوع تقصير وسَرَف يزيله الاستغفار، ولا بدَّ في انتظار الوعدِ من الصبر؛ فبالاستغفار تتمُّ الطاعة، وبالصبر يتمُّ اليقين بالوعد، وقد جمع الله سبحانه بينهما في قوله: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ) (غافر:55) .
وقد ذكر الله سبحانه في كتابه قصص الأنبياء وأتباعهم، وكيف نجاهم بالصبر والطاعة، ثم قال: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: من الآية 111) .
وتمام الكلام في هذا المقام العظيم يتبين بأصول نافعة جامعة:
الأول: أن ما يصيب المؤمنين من الشرور والمحن والأذَى دون ما يصيبُ الكفار، والواقعُ شاهد بذلك، وكذلك ما يصيب الأبرار في هذه الدنيا دون ما يصيب الفجار والفساق والظلمة بكثير.
الأصل الثاني: أن ما يصيب المؤمنين في الله تعالى مقرون بالرضا والاحتساب، فإن فاتَهُمْ الرضا فمعَوَّلهم على الصبر، وعلى الاحتساب، وذلك يخفف عنهم ثقل البلاء ومؤنته؛ فإنهم كلما شاهدوا العِوَض هان عليهم تحمل المشاقِّ والبلاء، والكفار لا رضا عندهم ولا احتساب، وإن صبروا فكصبر البهائم، وقد نبه تعالى على ذلك في قوله: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ) (النساء: من الآية 104) ؛ فاشتركوا في الألم، وامتاز المؤمنون برجاء الأجر والزلفى من الله تعالى.