الأصل الثالث: أن المؤمن إذا أُوذيَ في الله فإنه محمول عنه بحسب طاعته وإخلاصه، ووجود حقائق الإيمان في قلبه، حتى يحمل عنه من الأذَى ما لو كان شيء منه على غيره لعَجز عن حمله، وهذا من دَفع الله عن عبده المؤمن؛ فإنه يدفع عنه كثيرًا من البلاء، وإذا كان لا بدَّ له من شيء منه دَفع عنه ثقله ومؤنته ومشقته وتبعَته.
الأصل الرابع: أن المحبة كلما تمكنت في القلب ورَسَخت فيه، كان أذى المحبِّ في رضا محبوبه مُسْتحلى غير مسخوط، والمُحِبُّون يَفتَخِرُون عند أحبابهم بذلك، حتى قال قائلهم:
لئن ساءني أن نِلْتَنِي بمساءَة ... لقد سَرَّني أني خَطَرْتُ ببالك
فما الظنَّ بمحبة المحبوب الأعلى الذي ابتلاؤه لحبيبه رحمة منه له وإحسان إليه.
الأصل الخامس: أنَّ ما يصيبُ الكافرَ والفاجرَ والمنافق من العز والنصر والجاه دون ما يحصلُ للمؤمنين بكثير، بل باطن ذلك ذلٌّ وكسرٌ وهوان، وإن كان في الظاهر بخلافه.
قال الحسنُ رحمه الله: «إنهم وإن هَمْلَجت بهم البراذين وطَقطَقَتْ بهم البغال إن ذلّ المعْصِية لفي قلوبهم؛ أبَى الله إلا أن يُذل مَنْ عصاه).
الأصل السادس: أن ابتلاء المؤمن كالدّواء له يَسْتخرجُ منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصَتْ ثوابه، وأنزلت درجته، فيستخرجُ الابتلاءُ والامتحان منه تلك الأدواء ويَسْتعدُّ به لتمام الأجر وعلوّ المنزلة، ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه؛ كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك إلا