فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 420

للمؤمن؛ إن أصابته سَرَّاء شكرَ، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضَراء صبر، فكان خيرًا له» (18) .

فهذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافيته، ولهذا كان أشدُ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأقرب إليهم فالأقرب؛ يُبتلى المرءُ على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة شُدِّد عليه البلاءُ، وإن كان في دينه رِقِّة خُففَ عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يَمشي على وَجه الأرض وليس عليه خطيئة.

الأصل السابع: أنَّ ما يصيبُ المؤمن في هذه الدار من إدالة عَدُوه عليه، وغلبته له، وأذاه له في بعض الأحيان: أمرٌ لازم لا بد منه، وهو كالحرِّ الشديدِ، والبرْد الشديد، والأمراض والهموم والغموم؛ فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية في هذه الدار، حتى للأطفال والبهائم، لما اقتضَتْه حكمةُ أحكم الحاكمين؛ فلو تجرَّد الخيرُ في هذا العالم عن الشرِّ، والنفعُ عن الضرّ، واللذة عن الألم، لكان ذلك عالمًا غير هذا، ونشأة أخرى غير هذه النشأة، وكانت تَفُوتُ الحكمة التي مزج لأجلها بين الخير والشر، والألم واللذَّة، والنافع والضار، وإنما يكون تخليصُ هذا من هذا، وتمييزه في دار أخرى غير هذه الدار؛ كما قال تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (الأنفال:37) .

الأصل الثامن: أن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وقهرهم، وكسرهم لهم أحيانًا، فيه حكمةٌ عظيمةٌ لا يعلمها على التَّفْصِيل إلا الله عز وجل.

فمنها: استخراج عبوديتهم وذُلِّهم لله، وانْكِسارهِمْ، وافتقارِهم إليه، وسؤاله نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمًا منصورين قاهرين غالبين لبطروا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت