فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 420

وأشروا. ولو كانوا دائمًا مقهورين مغلوبين منصورًا عليهم عدوُّهم لما قامت للدين قائمةٌ، ولا كانت للحق دولة. فاقتضت حكمةُ أحكم الحاكمين أن صرَّفَهم بين غلبهم تارةً، وكونهم مغلوبين تارةً؛ فإذا غُلبُوا تَضَرَّعُوا إلى ربهم، وأنابوا إليه، وخضعوا له، وانكسروا له، وتابوا إليه، وإذا غلبُوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوَّه، ونصروا أولياءه.

ومنها: أنهم لو كانوا دائمًا منصورين، غالبين، قاهرين، لدخل معهم من ليس قصده الدِّين ومتابعة الرسول؛ فإنه إنما ينضافُ إلى من له الغلبة والعزّة. ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائمًا لم يدخل معهم أحدٌ. فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارةً، وعليهم تارة. فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله، ومن ليس له مرادٌ إلا الدنيا والجاه.

ومنها: أنه سبحانه يُحِبُّ من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتِهم والإدالة عليهم. فلله سبحانه على العباد في كلتا الحالين عبوديةٌ بمقتضى تلك الحال لا تحصلُ إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها؛ كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحرِّ والبرد، والجوع والعطش، والتعب والنصب، وأضدادها. فتلك المحن والبلايا شرطٌ في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنعٌ.

ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم، ويخلصهم، ويهذبهم؛ كما قال تعالى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أُحد: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت