والجهاد هو ذروة سنام الإسلام، وهو من أفضل الأعمال؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أي الناس أفضل؟ فقال: «رجل يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه» ، قال: ثم من؟ قال: «مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ربه، ويدع الناس من شره» (42) .
الثاني: في الحديث عن الجهاد في سبيل الله عز وجل، ومحاربة الفساد، وتعبيد الناس لرب العالمين أكبر رد على الذين يرون أن التعلق باليوم الآخر والاستعداد له يعني اعتزال الناس وترك الدنيا لأهلها، والاشتغال بالنفس وعيوبها، وترك الحياة تأسن ويفسد فيها أهلها. نعم، هذا ما يراه بعض المتصوفة وأصحاب الفهم المنحرف لحقيقة الدنيا والآخرة.
إنها النظرة السلبية لحقيقة الآخرة، وإلا فالدنيا مزرعة الآخرة، وهؤلاء هم سلفنا الصالح رضوان الله عليهم؛ أزهد الناس في الدنيا، وأكثرهم إنابة إلى الله وذكرًا للآخرة؛ ولكنهم - حيث علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله - رأوا أن من أكبر الاستعداد للآخرة وأفضل الأعمال المقربة إلى الله عز وجل الجهاد في سبيله والدعوة إليه سبحانه، وأن من اليقين بالآخرة الشفقة على الناس ورحمتهم، وعدم تركهم لأهل الشر والطغيان يفسدون عليهم دينهم؛ فيشقون في الدنيا والآخرة؛ ولذلك شرع الجهاد في سبيل الله عز وجل حتى لا تكون فتنة وتكون كلمة الله هي العليا.
«والذين يفترون على عقيدة الآخرة فيقولون: إنها تدعو الناس إلى السلبية في الحياة الدنيا، وإلى إهمال هذه الحياة، وتركها بلا جهد لتحسينها وإصلاحها، وإلى تركها للطغاة والمفسدين تطلعًا إلى نعيم الآخرة. الذين يفترون هذا الافتراء على عقيدة الآخرة يضيفون إلى الافتراء الجهالة؛ فهم يخلطون بين