والخيال الذي هو مركبها، بل بحرها الذي لا تنفك سابحة فيه. وإنما يقطع هذا العارض بفكرة صحيحة وعزم صادق يميّز به بين الوهم والحقيقة. وكذلك إذا فكر في عواقب الأمور، وتجاوز فكره مبادئها وضعها مواضعها وعلم مراتبها، فإذا ورد عليه وارد الذنب والشهوة، فتجاوز فكره لذّة وفرح النفس به إلى سوء عاقبته، وما يترتب عليه من الألم والحزن الذي لا يقاوم تلك اللذّة والفرحة، ومن فكر في ذلك فإنه لا يكاد يُقدِم عليه. وكذلك إذا ورد على قلبه وارد الراحة والدّعة والكسل والتقاعد عن مشقّة الطاعات وتعبها حتى عبر بفكره إلى ما يتربّ عليها من اللذّات والخيرات، والأفراح التي تغمر تلك الآلام في مبادئها بالنسبة إلى كمال عواقبها، وكلما غاص فكره في ذلك اشتد طلبه لها وسهل عليه معاناتها واستقبلها بنشاط وقوة وعزيمة. وكذلك إذا فكر في منتهى ما يستعبده من المال والجاه والصور، ونظر إلى غاية ذلك بعين فكره استحيا من عقله ونفسه أن يكون عبدًا كذلك ... » (28) .
وقال الغزالي - رحمه الله تعالى: «كثر الحَثُّ في كتاب الله تعالى على التدبُّر والاعتبار والنظر والافتكار، ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار، وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم، وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورُتْبَتَه لكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدرهُ» (29) .
وعن وهب بن منبه قال: «المؤمن مفكر مذكر فمن ذكر تفكر فَعَلَتْه السكينة وقنع فلم يهتم ورفض الشهوات فصار حرًا، وألقى الحسد فظهرت له المحبة، وزهد في كل فان فاستكمل العقل، ورغب في كل شيء باقٍ فعقل المعرفة» (30) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: «من تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق» (31) .