وعن سلام قال: «أُتي الحسن بكوز من ماء ليفطر عليه، فلما أدناه إلى فيه بكى؛ وقال: ذكرت أمنية أهل النار؛ قولهم: (أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ) (الأعراف: من الآية 50) ، وذكرت ما أجيبوا: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) (الأعراف: من الآية 50) » (23) .
وقال عبدالله بن المبارك لبعض أصحابه وقد رآه مفكرًا: «أين بلغت؟ قال: الصراط» (24) .
وقال بشر: «لو فكر الناس في عظمة الله ما عصوه» (25) .
وقال الحسن: «إن أهل العلم لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر، والفكر على الذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت بالحكمة» (26) .
ومن كلام الشافعي: «استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكرة» (27) .
ويعلق الإمام ابن القيم على ذلك بقوله: «لأن الفكرة عمل القلب، والعبادة عمل الجوارح. والقلب أشرف من الجوارح، فكان عمله أشرف من عمل الجوارح. وأيضًا فالتفكر يوقِع صاحبه من الإيمان على ما لا يوقعه عليه العمل المجرّد؛ فإن التفكّر يوجب له من انكشاف حقائق الأمور وظهورها له، وتميّز مراتبها في الخير والشرّ ومعرفة مفضولها من فاضلها وأقبحها من قبيحها، ومعرفة أسبابها الموصلة إليها، وما يقاوم تلك الأسباب ويدفع موجبها، والتمييز بين ما ينبغي السعي في تحصيله وبين ما ينبغي السعي في دفع أسبابه، والفرق بين الوهم والخيال المانع لأكثر النفوس من انتهاز الفرص بعد إمكانها وبين السبب المانع حقيقة؛ فيشتغل به دون الأول؛ فما قطع العبد عن كماله وفلاحه وسعادته العاجلة والآجلة قاطع أعظم من الوهم الغالب على النفس