فهرس الكتاب

الصفحة 390 من 420

وقد قعد أهل العلم قواعد عظيمة مستنبطة من الكتاب والسنة يتم بها ترتيب الأولويات، وذلك عند تعارض المصالح بعضها مع بعض أو عند تعارض المفاسد، أو تعارض المصالح مع المفاسد. وإذا تعارضت في الفكر مصلحتان بأيهما يبدأ ويهتم، فإنه ينظر إلى أيهما يغلب على الظن تحققه منهما فيأخذ بالغالب، ويترك المتوهم؛ فإن تساويتا في درجة تحققهما فإنه ينظر إلى أيهما أعظم خيرًا ومصلحة فيقدم المصلحة العظمى على الأقل منهما، وكذلك الحال في تعارض مفسدتين يخشى من الوقوع فيهما فإنه ينظر إلى أيهما يغلب على الظن وقوعها فتدفع. وإن تساوتا في تحقق وقوعهما فإن المتعين حينئذ ارتكاب أهون المفسدتين لدفع أعظمهما.

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى: «فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين؛ فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان. ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعًا، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعًا» (27) .

ثم يضرب لهذه القاعدة مثالًا فيقول: «فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته لم يجز ذلك، بل يصلي خلفه ما لا يمكنه فعلها إلا خلفه؛ كالجُمع والأعياد والجماعة إذا لم يكن هناك إمام غيره، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج، والمختار بن أبي عبيد الثقفي وغيرهما الجمعة والجماعة؛ فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم فسادًا من الاقتداء فيهما بإمام فاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة» (28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت