وقد يقول قائل: ما علاقة هذه الموازنات بالتفكير وهي مسائل عملية تطبيقية، وليست نظرية فكرية؟ والجواب أن يقال: إن مبدأ كل إرادة وعمل ينشأ عن التفكير والنظر، فإذا كانت الأولويات مرتبة في الفكر بحيث يبدأ بالأهم ثم المهم نشأ عن هذا التفكير إرادة وعمل مترتب في الواقع كما هو في التفكير.
المُهِمُّ والمُلِحُّ:
يخلط كثير من الناس في ترتيب الأوليات في التفكير بين المهم والملح؛ فيقدم دائمًا المُلِحُّ على المهم ومن هنا ينشأ الخلل. ولو جلس أحدنا مع نفسه يفكر بما يعتقد أنه في مقدمة الأمور المهمة في حياته - وبالنسبة للمسلم فإن أهم شيء في حياته دينه ورضا ربه سبحانه - لكن لو سأل الواحد منا نفسه بعد ذلك: هل أعطى هذه الأمور التي هي أهم شيء في حياته الاهتمام والوقت اللازمين أم أنه أعطى الأمور الملحة ذلك الاهتمام والوقت؟
إننا وللأسف نلحظ فجوة واسعة بين ما نعتقد أنه هو المهم في حياتنا وبين الأمور التي نعطيها فعلًا اهتمامنا وأوقاتنا. ولتوضيح هذا الكلام أضرب لذلك الأمثلة التالية:
المثال الأول: تقديم الدنيا على الآخرة وأمور الدين:
لقد خلقنا الله عز وجل لغاية عظيمة: لنعبده ونوحده، ثم يميتنا، ثم يبعثنا ليوم الجزاء والحساب. ومن رحمته سبحانه أن سخر لنا ما في الأرض جميعًا لنستعين به على عبادته سبحانه، وإقامة دينه في الأرض. ومع هذا فقد انعكس الأمر عند أكثر الخلق، ولم يسلم منه كثير من المسلمين؛ فبدلًا من أن تكون الدنيا خادمة ومملوكة في سبيل عبادة الله عز وجل، أصبحت مالكة مخدومة، ولو تعارضت مع الدين قدمت عند كثير من الناس على عبادة الله عز وجل