ثالثًا: عند قوله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) (النجم:59 - 62) .
يقول السعدي - رحمه الله تعالى: «ثم توعد المنكرين لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، المكذبين لما جاء به من القرآن الكريم فقال: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ) ؟ أي: أفمن هذا الحديث، الذي هو خير الكلام وأفضله، وأشرفه، تتعجبون، وتجعلونه من الأمور المخالفة للعادة، الخارقة للأمور والحقائق المعروفة؟ هذا من جهلهم، وضلالهم، وعنادهم. وإلا فهو الحديث الذي إذا حدث صدق، وإذا قال قولًا فهو القول الفصل، ليس بالهزل، وهو القرآن العظيم، الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله. الذي يزيد ذوي الإصلاح رأيًا وعقلًا، وتسديدًا، وثباتًا، وإيقانًا، وإيمانًا. بل الذي ينبغي العجب من عقل من تعجب منه وسفهه وضلاله.
(وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ) أي: تستعجلون الضحك والاستهزاء به، مع أنه الذي ينبغي أن تتأثر منه النفوس، وتلين له القلوب، وتبكي له العيون؛ سماعًا لأمره ونهيه، وإصغاء لوعده ووعيده، والتفاتا لأخباره الصادقة الحسنة.
(وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ) أي: غافلون لاهون عنه وعن تدبره، وهذا من قلة عقولكم وزيف أديانكم. فلو عبدتم الله وطلبتم رضاه في جميع الأحوال، لما كنت بهذه المثابة التي يأنف منها أولو الألباب؛ ولهذا قال تعالى: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) الأمر بالسجود لله خصوصًا يدل على فضله وأنه سر العبادة ولبها؛ فإن روحها الخشوع لله، والخضوع له. والسجود أعظم حالة يخضع بها العبد؛ فإنه يخضع قلبه وبدنه، ويجعل أشرف أعضائه على الأرض المهينة، موضع وطء الأقدام. ثم أمر بالعبادة عمومًا، الشاملة لجميع ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة» (16) .