واستمعت إلى صوت النذير الأخير قبل الكارثة الداهمة: (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ) (النجم:56 - 58) .
ثم جاءت الصيحة الأخيرة. واهتز كياني كله أمام التبكيت الرعيب: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) (النجم:59 - 61) .
فلما سمعت: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) .. كانت الرجفة قد سرت من قلبي حقًا إلى أوصالي، واستحالت رجفة عضلية مادية ذات مظهر مادي، لم أملك مقاومته؛ فظل جسمي كله يختلج، ولا أتمالك أن أثبته، ولا أن أكفكف دموعًا هاتنة، لا أملك احتباسها مع الجهد والمحاولة!
وأدركت في هذه اللحظة أن حادث السجود صحيح (17) ، وأن تعليله قريب؛ إنه كامن في ذلك السلطان العجيب لهذا القرآن، ولهذه الإيقاعات المزلزلة في سياق هذه السورة. ولم تكن هذه أول مرة أقرأ فيها سورة النجم أو أسمعها. ولكنها في هذه المرة كان لها هذا الوقع، وكانت مني هذه الاستجابة. وذلك سر القرآن؛ فهناك لحظات خاصة موعودة غير مرقوبة تمس الآية أو السورة فيها موضع الاستجابة، وتقع اللمسة التي تصل القلب بمصدر القوة فيها والتأثير؛ فيكون منها ما يكون!» (18) .
مسألة:
درج بعض أهل البدع على قولهم في أسماء الله عز وجل وصفاته وتشريعاته أنها غير مفهومة المعنى، وأن الأحكام غير معللة بالحكم والمصالح، بل هي محض تكاليف مستندة إلى محض المشيئة لا لغرض ولا لفائدة بل مجرد قهر وتكليف، وليست سببًا لشيء من مصالح الدنيا والآخرة.