وإلا فكلام الأئمة السابقين والسلف المتقدمين آخذ بيده في هذا المقصد الشريف والمرتبة المنيفة.
وأيضًا فمن حيث كان القرآن معجزًا أفحم الفصحاء وأعجز البلغاء أن يأتوا بمثله فذلك لا يخرجه عن كونه عربيًا جاريًا على أساليب كلام العرب، ميسرًا للفهم فيه عن الله ما أمر به ونهى، لكن بشرط الدربة في اللسان العربي، كما تبين في كتاب الاجتهاد؛ إذ لو خرج بالإعجاز عن إدراك العقول معانيه لكان خطابهم به من تكليف ما لا يطاق، وذلك مرفوع عن الأمة. وهذا من جمل الوجوه الإعجازية فيه؛ إذ من العجب إيراد كلام من جنس كلام البشر في اللسان، والمعاني، والأساليب، مفهوم معقول، ثم لا يقدر البشر على الإتيان بسورة مثله ولو اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيرًا؛ فهم أقدر ما كانوا على معارضة الأمثال، أعجز ما كانوا عن معارضته.
وقد قال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:17) ، وقال: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) (مريم:97) ، وقال: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (فصلت: من الآية 3) ، وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء:195) ، وعلى أي وجه فرض إعجازه فذلك غير مانع من الوصول إلى فهمه وتعقل معانيه: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ:29) ؛ فهذا يستلزم امكان الوصول إلى التدبر والتفهم .. » (20) .
ويقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى: «أنزل الله سبحانه الكتاب شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، ولذلك كانت معانيه أشرف المعاني، وألفاظه أفصح الألفاظ وأبينها وأعظمها، مطابقة لمعانيها المرادة منها، كما وصف سبحانه به كتابه في قوله: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) (الفرقان:33) .