فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 420

«النوع الثالث عشر: أمره سبحانه بتدبر كلامه والتفكر فيه وفي أوامره وزواجره. ولولا ما تضمنه من الحكم والمصالح والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة التي هل محلُّ الفكر لما كان للتفكر فيه معنى. وإنما دعاهم إلى التفكير والتدبر ليُطلعهم ذلك على حِكمته البالغة وما فيه من الغايات والمصالح المحمودة التي تُوجب لمن عَرَفها إقرارَه بأنه تنزيلٌ من حكيم حميد. فلو كان الحقُّ ما يقوله النُّفاة، وأن مرجع ذلك وتصوره مجرد القدرة والمشيئة التي يجوز عليها تأييد الكاذب بالمعجزة ونصرُه وإعلاؤه، وإهانة الحق وإذلالُه وكَسْرُه، لما كان في التدبر والتفكر ما يدلهم على صدق رسله ويقيمُ عليهم حجته، وكان غاية ما دُعوا إليه القدَرُ المحض، وذلك مشتركُ بين الصادق والكاذب والبَر والفاجر.

فهؤلاء بإنكارهم الحكمةَ والتعليلَ سدّوا على نفوسهم باب الإيمان والهدى، وفتحوا عليهم باب المكابرة وجَحْدِ الضروريات؛ فإنّ ما في خلق الله وأمره من الحكم والمصالح المقصودة بالخلق والأمر والغايات الحميدة أمرٌ تشهدُ به الفطر والعقول ولا ينكره سليم الفطرة. وهم لا ينكرون ذلك وإنما يقولون وقع بطريق الاتفاق لا بالقصد، كما تسقطُ خشبةٌ عظيمة فيتفق عبور حيوان مؤذٍ تحتها فتهلكُه.

ولا ريب أن هذا ينفي حمدَ الرب سبحانه على حصول هذه المنافع والحكم؛ لأنها لم تحصل بقصده وإرادته، بل بطريق الاتفاق الذي لا يُحمد عليه صاحبُه ولا يُثنى عليه، بل هو عندَهم بمثابة ما لَوْ رَمَى رجل درهمًا لا لغرض ولا لفائدة، بل لمجرد قدرته ومشيئته على طَرْحه، فاتفق أن وقع في يد محتاج انتفع به. فهذا من شأن الحكم والمصالح عند المنكرين» (24) ا. هـ.

ويقول شاه ولي الله الدهلوي في كتابه «حجة الله البالغة» : «قد يُظَن أن الأحكام الشرعية غير متضمنة لشيء من المصالح، وأنه ليس بين الأعمال وبين ما جعل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت