ومع هذه الأعداد التي لا تحصى فإن الأرض تكاد تنفرد باستعدادها لاستقبال هذا النوع من الحياة وحضانته. ولو اختلت خصيصة واحدة من خصائص الأرض الكثيرة جدًا لتعذر وجود هذا النوع من الحياة عليها ... وهذه الأقوات الكامنة في جوفها، والساربة في مجاربها، والسابحة في هوائها، والنابتة على سطحها، والقادمة إليها من الشمس ومن عوالم أخرى بعضها معروف وبعضها مجهول، ولكنها تتدفق وفق تدبير المشيئة المدبرة التي خلقت هذا المحضن لهذا النوع من الحياة، وجهزته بكل ما يلزم للأنواع الكثيرة التي لا تحصى، وتنوع مشاهد هذه الأرض ومناظرها، حيثما امتد الطرف، وحيثما تنقلب القدم. وعجائب هذه المشاهد التي لا تنفد من وهاد وبطاح، ووديان وجبال، وبحار وبحيرات، وأنهار وغدران، وقطع متجاورات، وجنات من أعناب، وزروع، ونخيل صنوان وغير صنوان، وكل مشهد من هذه المشاهد تتناوله يد الإبداع والتغيير الدائبة التي لا تفتر عن الإبداع والتغيير. ويمر به الإنسان وهو ممحل فإذا هو مشهد، ويمر به وهو ممرع فإذا هو مشهد آخر. ويراه وهو نبت خضر فإذا هو مشهد، ويراه إبان الحصاد حين يهيج ويصفر فإذا هو مشهد آخر. وهو هو لم ينتقل باعًا ولا ذراعًا في المكان!
والخلائق التي تعمر هذه الأرض من الأحياء؛ نباتًا وحيوانًا، وطيرًا وسمكًا، وزواحف وحشرات، بله الإنسان - فالقرآن يفرده بنص خاص - هذه الخلائق التي لم يعرف عدد أنواعها وأجناسها بعد - فضلًا على إحصاء أعدادها وأفرادها وهو مستحيل - وكل خليقة منها أمة! وكل فرد منها عجيبة؛ كل حيوان، كل طائر، كل زاحفة، كل حشرة، كل دودة، كل نبتة لا بل كل جناح في يرقة، وكل ورقة في زهرة، وكل قصبة في ورقة! في ذلك المعرض الإلهي العجيب الذي لا تنقضي عجائبه.