فهرس الكتاب

الصفحة 635 من 644

منها أن القرآن تحداهم غير مرة أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة منه ثم سجل العجز عليهم وقال بلغة واثقة إنهم لا يستطيعوا أن يفعلوا ولن يفعلوا ولو ظاهرهم الإنس والجن فكيف لا تثور حميتهم إلى المعارضة بعد هذا ولو كانوا أجبن خلق الله

ومنها أن العرب الذين تحداهم القرآن كانوا مضرب المثل في الحمية والأنفة وإباء الضيم فكيف لا يحركهم هذا التحدي والاستفزاز

ومنها أن صناعتهم البيان وديدنهم التنافس في ميادين الكلام فكيف لا يطيرون بعد هذه الصيحة إلى حلبة المساجلة

ومنها أن القرآن أثار حفائظهم وسفه عقولهم وعقول آبائهم ونعى عليهم الجمود والجهالة والشرك فكيف يسكتون بعد هذا التقريع والتشنيع

ومنها أن القرآن أقام حربا شعواء على أعز شيء لديهم وهي عقائدهم المتغلغة فيهم وعوائدهم المتمكنة منهم فأي شيء يلهب المشاعر ويحرك الهمم إلى المساجلة أكثر من هذا ما دامت هذه المساجلة هي السبيل المتعين لإسكات خصمهم لو استطاعوا

وأما الفرض الثاني فينقضه الواقع التاريخي أيضا ودليلنا على هذا ما تواترت به الأنباء من أن بواعث العرب إلى المعارضة قد وجدت سبيلها إلى نفوسهم ونالت منالها من عزائمهم فهبوا هبة رجل واحد يحاولون القضاء على دعوة القرآن بمختلف الوسائل فلم يتركوا طريقا إلا سلكوه ولم يدعوا بابا إلا دخلوه

لقد آذوه وآذوا أصحابه فسبوا من سبوا وعذبوا من عذبوا وقتلوا من قتلوا

ولقد طلبوا إلى عمه أبي طالب أن يكفه وإلا نازلوه وإياه

ولقد قاطعوه وقاطعوا أسرته الكريمة لا يبيعون لهم ولا يبتاعون ولا يتزوجون منهم ولا يزوجون واشتد الأمر حتى أكلت الأسرة الكريمة ورق الشجر

ولقد فاوضوه أثناء هذه المقاطعة التي تلين الحديد مفاوضات عدة وعرضوا عليه عروضا سخية مغرية منها أن يعطوه حتى يكون أكثرهم مالا وأن يعقدوا له لواء الزعامة فلا يقطعوا أمرا دونه وأن يتوجوه ملكا عليهم إن كان يريد ملكا وأن يلتمسوا له الطب إن كان به مس من الجن كل ذلك في نظير أن يترك هذا الذي جاء به ولما أبي عليهم ذلك عرضوا عليه أن يهادنهم ويداهنهم فيعبد آلهتهم سنة ويعبدون إلهه سنة فأبى أيضا ونزل قول الله قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ونزلت كذلك سورة الكافرون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت