ولا شك أنك ترى مما مرَّ بك من أول الباب أن قوله: إني جعلتك خليفتي من بعدي، مثل قوله: إني جعلت الصوم في شهر رمضان، فإما أن يكون هذان الأمران مفروضين من الله عز وجل، وليس لبشرٍ فيهما شأن، وإما الآخر، وهذا لا يقول به مسلم.
إذًا.. لا يبقى إلا أن ينتفي الآخر، أي: بطلان النص، وسيأتيك ما يدعمه.
ثم لا يفوتك قوله: لا يدعي فيما بيني وبينك أحد إلا قلَّده الله يوم القيامة طوقًا من نار، يستشعر منه انتفاء النص، ذلك أن من نوى خلاف الله عز وجل فيمن نصَّ عليه لن يثنيه وصية بشر، ولا أظن أن هذا يفوت الإمام، أما شكره لهذه النعمة فلا شك أنها حاصلة قبل آلاف السنين من بدء الخليقة كما مرَّ بك، لا في السنة الخامسة والتسعين من الهجرة حيث توفي زين العابدين رحمه الله.
والغريب أنه قد نسي الأمرين على افتراضهما، أي: سواء النص من الله عز وجل، أو وصية السجاد، فعندما سأله أبو حنيفة رحمه الله: أنت الإمام؟ قال: لا، قال: فإن قومًا بالكوفة يزعمون أنك إمام، قال: فما أصنع بهم؟ قال: تكتب إليهم تخبرهم، قال: لا يطيعوني (1) .
فلا أعرف وجهًا لهذا الإنكار، فأبو حنيفة رحمه الله لم يكن أبدًا من رجال السلاطين حتى يتقيه، فقد كان هواه مع آل البيت، وموقفه المؤيد لخروج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على هشام بن عبد الملك، وخروج عبد الله بن الحسن وولديه: محمد المعروف بالنفس الزكية وإبراهيم على المنصور، ورفضه تولي القضاء وتعذيبه حتى موته في الحبس -كما في بعض الروايات- أمور لا تخفى على من له أدنى قراءة لتاريخ الرجل.
وحتى لو أعرضنا عن كل هذا فلا أرى وجهًا للتقية، هذه الحيلة التي يلجأ إليها القوم في كل ما اضطرب عليهم من أمور، أو خالف أهواءهم ولم يخدم أغراضهم، كما سيكون تعليقهم على الكثير مما مر وسيمر بك في هذا الكتاب.
(1) المناقب: (3/331) ، البحار: (46/356) .