افتراق الشيعة بعد الهادي رحمه الله:
وعلى هذا المنوال افترقوا بعد وفاة الهادي رحمه الله، فقالت فرقة من أصحابه بإمامة ابنه محمد، وقد كان توفي في حياة أبيه بسر من رأى، وزعموا أنه حي لم يمت، واعتلوا في ذلك بأن أباه أشار إليه وأعلمهم أنه الإمام من بعده -كما مرَّ بك- والإمام لا يجوز عليه الكذب ولا يجوز البداء فيه، فهو وإن كانت ظهرت وفاته لم يمت في الحقيقة، ولكن أباه خاف عليه فغيبه وهو القائم المهدي، وقالوا فيه بمثل مقالة إسماعيل بن جعفر، وقال سائر أصحاب علي بن محمد بإمامة الحسن بن علي وأثبتوا له الإمامة بوصية أبيه، وكان يكنى بأبي محمد، سوى نفر يسير قليل فإنهم مالوا إلى أخيه جعفر بن علي، وقالوا: أوصى إليه أبوه بعد مضي محمد وأوجب إمامته وأظهر أمره، وأنكروا إمامة محمد أخيه، وقالوا: إنما فعل ذلك أبوه اتقاء عليه ودفاعًا عنه، وكان الإمام في الحقيقة جعفر بن علي (1) .
رجع بنا الحديث إلى الإمام العسكري الحسن بن علي رحمه الله المتوفى سنة (260) للهجرة، وموقف أصحابه وأهل بيته.
لقد أدى الارتياب والشك عند شيعة الهادي في الإمام بعده إلى التطلع بلهفة إلى أي شخص كان لبيان الحق لهم، وكأن تلك النصوص التي مرَّت بك منذ أول الكتاب لم تكن.
فعن أحمد بن إسحاق قال: دخلت على أبي محمد، فقال لي: يا أحمد، ما كان حالكم فيما كان الناس فيه من الشك والارتياب؟ قلت: لما ورد الكتاب بخبر مولد سيدنا، لم يبق منا رجل ولا امرأة ولا غلام بلغ الفهم إلا قال بالحق، قال: أما علمتم أن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى (2) .
رغم ذلك فقد كان الحسن نفسه خائفًا -بزعم القوم- من أن يخرج من الدنيا دون أن يرى الخلف من بعده (3) .
(1) فرق الشيعة: (94) .
(2) كمال الدين: (128) ، البحار: (23/38) (50/335) .
(3) كمال الدين: (376) ، البحار: (51/161) .