وكان الرشيد يجل الكاظم إلى درجة تثير معه استغراب الآخرين، فقد كان لا يرضى إذا دخل عليه أن ينزل من فوق حماره إلا على بساطه، فقد روى ابنه المأمون ذلك، وقال في ذكر أحد لقاءات الكاظم مع أبيه: فلمَّا رأى الرشيد رمى بنفسه -أي: الكاظم- عن حمارٍ كان راكبه، فصاح الرشيد: لا والله إلا على بساطي، فمنعه الحجاب من الترجل، ونظرنا إليه بأجمعنا بالإجلال والإعظام، فما زال يسير على حماره حتى سار إلى البساط، والحجاب والقواد محدقون به، فنزل فقام إليه الرشيد واستقبله إلى آخر البساط، وقبَّل وجهه وعينيه، وأخذ بيده حتى صيره في صدر المجلس، وأجلسه معه فيه، وجعل يحدثه ويقبل بوجهه عليه، ويسأله عن أحواله... الرواية (1) .
وفي الرواية هذه نفسها بشَّر الكاظم المأمون بالخلافة، وسأله أن يحسن إلى ولده، وكان كما أراد، فقد تزوج الرضا من ابنة المأمون، بل وبويع له بولاية العهد فضلًا عن رغبة المأمون في التنازل له عن الحكم، كما هو معروف (2) .
فانظر أين محل التقية من كل هذا؟
هذا ما كان من شأن الإمام موسى الكاظم وأصحابه وأهل بيته وشأن القول بالنص على الاثني عشر، وقد عرفت حقيقة ذلك مما مرَّ بك.
لنشرع الآن في التكلم عن ابنه الإمام علي الرضا المتوفى سنة (203) للهجرة.
(1) عيون أخبار الرضا: (1/84) ، البحار: (48/130) .
(2) انظر تفاصيل كل هذا في: البحار: (49/11، 55، 60، 130، 136، 140، 141، 142، 144، 152) (50/16، 56، 73) ، الخرائج والجرائح: (245) ، كشف الغمة: (3/71، 177) ، عيون الأخبار: (2/139، 141، 151، 166) ، أمالي الصدوق: (72) ، علل الشرايع: (2/227) ، الإرشاد: (290) ، نور الثقلين: (1/179) (2/432) ، أمالي الصدوق: (252) ، الكافي: (1/488) ، إثبات الهداة: (3/260، 299) .