إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فلعل أول خلاف ظهر بين المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو اختلافهم في موته، فقد زعم بعضهم أنه لم يمت بل رُفع إلى السماء كما رُفع المسيح عليه السلام، حتى أزال الصديق رضي الله عنه ذلك بقوله: (من كان يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) ، وتلا عليهم قول الله عز وجل: (( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) ) [آل عمران:144] وقوله تعالى: (( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) ) [الزمر:30] .
ثم اختلفوا في موضع دفنه صلى الله عليه وسلم، حيث أراد المهاجرون رضي الله عنهم رده إلى مكة حيث ولد، وأراد الأنصار رضي الله عنهم دفنه في المدينة حيث دار هجرته وأنصاره، واختلفوا في جعل ذلك في البقيع أو صحن الدار، ورأى آخرون نقله إلى بيت المقدس حيث موضع دفن الأنبياء ومعراجه إلى السماء.