ثم زال ذلك بما روي عن الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما قبض الله نبيًا إلا دفن في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه) ، أو ما رواه القوم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إن الله لم يقبض نبيه إلا في أطهر بقاع الأرض) ، فينبغي أن يدفن في البقعة التي قبض فيها.
وفي رواية: (إن الله لم يقبض نبيًا في مكان إلا ارتضاه لرمسه فيه، وإني دافنه في حجرته التي قبض فيها) فرضي المسلمون بذلك (1) .
ثم اختلفوا بعد ذلك في الإمامة، فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، ووقعوا في شبهة جواز استخلاف خليفة منهم، وتوسط بعضهم وقال: منا أمير ومنكم أمير، ورشحوا رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري، ثم عادوا عن دعواهم لما أدركهم الصديق رضي الله عنه وأخبرهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش) ، فبايع من كان في السقيفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ثم كانت البيعة العامة في المسجد، وتأخر عن بيعته جماعة فيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم بايعوا جميعًا، وفي ذلك كان يقول علي رضي الله عنه: (إن الله سبحانه بعث محمدًا فأنقذ به من الضلالة، ونعش به من الهلكة، وجمع به بعد الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدَّى ما عليه، فاستخلف الناس أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمر، فأحسنا السيرة وعَدَلا في الأمة، وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمر دوننا ونحن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحق بالأمر، فغفرنا ذلك لهما) .
وفي موطن آخر قال: (ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرَين منهم صالِحَين أحييا السيرة ولم يعْدُوَا السنة، فتولى أبو بكر تلك الأمور وسدد وقارب واقتصد، وتولى عمر الأمر فكان مرضيّ السيرة ميمون النقيبة) .
(1) إعلام الورى: (144) ، البحار: (22/518، 525، 529، 534، 536) ، المناقب: (1/240) ، تهذيب الأحكام: (6/2) ، كفاية الأثر: (304) ، كشف الغمة: (1/19) وفيه: واختلف أهل بيته وأصحابه في دفنه.