تقودنا هذه الروايات الصريحة بافتتان الخلق بغيبته، والصريحة باستحالة رؤيته، والمكذبة لمدعي رؤيته أو الفوز بلقائه إلى مسألة اللطف.
وقد مرَّ بك تعريف موجز عن مفهوم اللطف في أول الكتاب، حيث ذكرنا هناك أن الشيعة يعتقدون أن الإمامة كالنبوة لطف من الله تعالى، فلا بد أن يكون في كل عصرٍ إمام هادٍ يخلف النبي، من وظائفه: هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامة على الناس لتدبير شئونهم ومصالحهم، وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم، وعلى هذا فالإمامة استمرار للنبوة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب نصب الإمام بعد الرسول (1) .
وحيث إننا التزمنا في هذا الكتاب الابتعاد عن التأويلات الفلسفية والكلامية والترهات العقلية التي لا تجدي ولن تجدي، والتزمنا بالاقتصار على إيراد النصوص لما لها من وقع على نفس القارئ من حيث القبول والمصداقية، ولحجيتها الملزمة في مثل هذه المسائل عوضًا عن المتاهات الكلامية التي يعرف أصحابها سلفًا أنها ترويج لبضائع كاسدة لم يقتنع واضعوها بها فضلًا عمن وضعت له، نورد هنا بعضًا مما ذكره القوم ليتبين لنا حقيقة القول بهذا اللطف الذي صدعوا به الرءوس، ولبسوا فيه على النفوس.
رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية (2) .
وعن الصادق: الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حي يعرف (3) .
(1) عقائد الإمامية للشيخ محمد رضا المظفر: (ص:89) ، وانظر أيضًا: بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية: (273، 287) وما بعدها.
(2) الاختصاص: (268، 269) ، البحار: (23/92) .
(3) الاختصاص: (268، 269) ، قرب الإسناد: (153) ، البصائر: (143) ، البحار: (23/2، 3، 30، 51) (49/267) ، إثبات الهداة: (1/138، 139) .