وكان رضي الله عنه يؤكد شرعية بيعتهم بهذا الاستخلاف القائم على الشورى والبيعة، ويرى أن ذلك كان لله رضًا، وبها كان يستمد شرعية خلافته ويؤكدها عندما اضطربت عليه الأمور، لا باعتبار نصوص مزعومة ادعاها له بعض من انتسب إليه، ففي أحد كتبه إلى معاوية -مثلًا- قال: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد؛ فإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضًا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، ويصليه جهنم وساءت مصيرًا) (1) .
وهكذا كان الأمر، وبقي الناس على ذلك حتى من رواد الشيعة الأوائل، فرغم تفضيلهم له على الشيخين رضي الله عنهما؛ إلا أنهم لم ينكروا فضلهما، ولم ينتقصوا من شأنهما (2) .
إلى أن وقعت الفتنة التي أعقبت مقتل ذي النورين رضي الله عنه؛ فبدأ الانحراف في عقيدة التشيع لعلي رضي الله عنه يتبلور ويأخذ مناحيَ عدة، فمن القول بأحقيته بالإمارة دون معاوية، ثم إلى القول بتقديمه على عثمان رضي الله عنه وتفضيله عليه، ثم القول بتقديمه على من سبقه من الخلفاء، إلى القول بالنص عليه من الله ورسوله، وأن من سبقه إنما كان مغتصبًا للخلافة، ثم أفضى بهم هذا القول إلى الاعتقاد بردة الصحابة رضوان الله عليهم وكفر من تولاهم، والقول بتحريف القرآن وصرفه وتأويله، ورد كل ما خالف هذا المعتقد من آيات وأحاديث وآثار.
وهذا -كما ترى وتلاحظ- يدل على أن الأمر تطور كثيرًا عما كان عليه في البداية، وخرج عن الاعتدال إلى الغلو والانحراف على مراحل تستدعي كثيرًا من التأمل لمعرفة دوافع ذلك ومن كان وراءه.
(1) سيأتي تخريج هذه الروايات من طرق الشيعة في الباب الثالث.
(2) وقد أقر القوم بذلك، انظر مثلًا: هوية التشيع: (37) ، فرق الشيعة: (22) .