وساعد القوم في ترسيخ معتقد النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمورٌ، منها: كثرةُ الرواياتِ في مناقبه وفضائِله، وهي التي أظهرها الصحابة رضي الله عنهم في زمن الفتنة التي عاشها علي رضي الله عنه، والتي كثر فيها أعداؤه والخارجون عليه والطاعنون فيه، فأظهر الصحابة رضي الله عنهم ما كان عندهم من أحاديث تبين فضله وترد كيد أعدائه، ولم يكن الأمر كذلك في حق من سبقه من الخلفاء رضي الله عنهم؛ لعدم وقوع ما يستلزم بيان فضلهم وإخراج مناقبهم.
إلا أن فساد الاستدلال بهذه المرويات لإثبات إمامته دفع القوم إلى وضع مئات الروايات في تأييد ما ذهبوا إليه من عقائد، فكان أن تسرب الكثير من هذه الروايات وانتشر في مصادر المسلمين لأسباب سنأتي على ذكرها في الكتاب، واستأثروا هم بألوف أخرى أصبحت مع مرور الزمن من ضروريات مذهب التشيع، وهذه الروايات حوتها بطون مصادرهم التي تداولوها بمنأى عن سائر المسلمين، وفيها من بذور هدم عقائدهم الكثير.
فكانت هذه الحقيقة -أي: تعذر الوقوف على مصادر القوم الأصلية- سببًا في تيسير أرضية خصبة للقوم، وذلك بإلزام خصومهم ومخالفيهم بما ألزموا أنفسهم به بزعمهم، وذلك بإيراد ما ظنوا أنها حجج وبراهين من بطون كتب مخالفيهم، دون بيان أسباب وجود أمثال هذه المرويات في مصنفاتهم أو حقيقتها، مما لُبِّس الأمر على أتباعهم فضلًا عن سائر من لم يتسن لهم معرفة هذه الحقائق من المسلمين.
ولم يكن بوسع علماء أهل السنة والجماعة أن يردوا عليهم إلا بما حوته كتبهم -أي: كتب أهل السنة- من دلائل تخالف معتقدات القوم، فتجد مثلًا مصنفاتهم كـ (منهاج السنة) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو من أعظم الردود عليهم، فإنه يكاد يخلو من إيراد ما يلزم القوم من مصنفاتهم، لا أقل من رواية واحدة من عمدة القوم في إثبات عقائدهم، ألا وهو كتاب (الكافي) للكليني، مما يبين لك ما كان عليه الأمر من خفاء تلك الكتب، فكان أن أبى القوم هذه الردود عبر التاريخ متذرعين بقواعد علمية، مثل قولهم: إن المذاهب لا تُؤخذ إلا من كتبها، ويجب إلزام الخصوم بما ألزموا أنفسهم به، وغيرها.