وهكذا حمل أقوالهم على التقية سائر من رد عليهم ممن اعتقد بالتحريف، ولا يسعنا هنا الإسهاب في بيان هذا الأمر حتى لا نخرج عن موضوع الكتاب.
ولا زال أذناب هؤلاء في أيامنا هذه ينتهجون مناهجهم وهم يرون في التقية فسحة وملاذًا آمنًا.
فهذا شرف الدين الموسوي يقول: نُسب إلى الشيعة القول بالتحريف بإسقاط كلمات وآيات، فأقول: نعوذ بالله من هذا القول، ونبرأ إلى الله من هذا الجهل، وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفترٍ علينا، فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته (1) .
وهذا آخر وهو الأميني يقول: ليت هذا المجترئ -أي: ابن حزم- أشار إلى مصدر فريته من كتاب للشيعة موثوق به أو حكاية عن عالم من علمائهم تقيم له الجامعة وزنًا، أو طالب من رواد علومهم ولو لم يعرفه أكثرهم، بل نتنازل معه إلى قول جاهل من جهالهم أو قروي من بسطائهم أو ثرثار، كمثل هذا الرجل يرمي القول على عواهنه، لكن القارئ إذا فحص ونقَّب لا يجد في طليعة الإمامية إلا نفاة هذه الفرية، كالشيخ الصدوق في عقايده، والشيخ المفيد، وعلم الهدى، وشيخ الطائفة الطوسي في التبيان، وأمين الإسلام في مجمع البيان.. وهذه فرق الشيعة في مقدمتهم الإمامية مجمعة على أن ما بين الدفتين هو ذلك الكتاب لا ريب فيه (2) .
فانظر إلى مساوئ التقية وكيف تصل بصاحبها إلى هذا الدرك من فساد العقيدة، وخبث السريرة، واستحلال التلبيس على عباد الله، فهل كان يرى أن عقائد أضرابه بمنأى عن غيره حتى يجد لنفسه هذه الحرية في الإنكار والتقية.
(1) أجوبة مسائل جار الله: (28) .
(2) الغدير: (3/101) .