وهذا يذكرنا بما أوردنا من ردود عند الكلام في استدلال التصدق بالخاتم، حيث ذكرنا هناك أن إمامته رضي الله عنه غير مرادة في زمان الخطاب، لأن ذلك عهد النبوة، والإمامة نيابة فلا تتصور إلا بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يكن زمان الخطاب مرادًا، تعين أن يكون المراد الزمان المتأخر عن زمن الانتقال ولا حد للتأخير، فليكن ذلك بالنسبة إلى علي بعد مضي زمان أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، وبهذا يتحقق الوفاق بين الفريقين.
نعم، لا يخلو تخصيص علي رضي الله عنه بالذكر بهذه الموالاة التي هي ضد المعاداة من علة، وقد بينا أن ذلك بسبب ما ذكرناه من شكوى الناس، ومن علمه صلى الله عليه وسلم بالوحي من وقوع الفساد والبغي في زمن خلافته، وإنكار بعض الناس لإمامته بل ومحاربته، حتى احتج هو رضي الله عنه بحديث الغدير لإلزامهم بموالاته ومناصرته.
وهذا موافق تمامًا لقول العسكري لما سأله الحسن بن طريف: ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمير المؤمنين: من كنت مولاه فعلي مولاه؟ قال: أراد بذلك أن جعله علمًا يعرف به حزب الله عند الفرقة (1) .
وهذا الحسين رضي الله عنه يقول لجيش الشام: أتعلمون أن عليًا ولي كل مؤمن ومؤمنة؟ قالوا: نعم (2) .
فهل فهموا من ذلك ما فهمه القوم، حتى بايعوا غيره، وقاتلوا ابنه رضي الله عنهما؟! وهكذا..
فأنت ترى أن القوم قد أوردوا في مصنفاتهم ما يفيد عدم فهم الناس لحديث غدير خم على أنها الخلافة العامة للمؤمنين كما يدعون، وإليك المزيد من هذه الروايات:
عن أبي إسحاق قال: قلت لعلي بن الحسين: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه... الرواية (3) ؟
(1) كشف الغمة: (3/303) ، البحار: (37/223) (50/290) ، إثبات الهداة: (2/139) .
(2) أمالي الصدوق: (135) ، البحار: (44/318) .
(3) أمالي الصدوق: (107) ، معاني الأخبار: (65) ، البحار: (37/223) ، إثبات الهداة: (2/34) .