فهرس الكتاب
أم لا؟ قلنا: لا يؤدّي إلى ذلك لأنّا علمنا أنّ صلاحها إمّا يرتفع بأمر حادث وإمّا بتعذّر [1] الإتيان (27 ظ) بها، وقد فات حدوث الأمر بانقطاع الوحي، والتّعذّر معدوم في الحال فلا وجه للشكّ، ثمّ إن وحد التّعذّر وقع اليقين بارتفاع الصلاح حالة التّعذّر [2] .
فإن قيل: قولكم هذا يؤدّي إلى أنّ الصحابة لم يعتقدوا في الأوامر المطلقة وجوبا على التأبيد، قلنا: الواجب على السامعين اعتقاد الوجوب على شريطة بقاء الحكم دون اعتقاد الوجوب على التأبيد؛ لأنّهم لا يدرون لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا [3] .
وإذا ثبت جواز النّسخ على طريق الإجمال فلنا [4] أن نقتصر على ذكر مذهبنا فيه.
اعلم أنّ ما لا يجوز نسخه ستّة أنواع:
أحدها: نسخ ما يستحيل نسخه بغير جحد أو اعتراف بالكذب، كنسخ قصّة عاد وثمود وغيرهم، وكالإخبار عن نفسه بقوله: {إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء:140] ، وعن قول الشيطان لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ [وَعْدَ الْحَقِّ] } [إبراهيم:22] ، وعن قول الضعفاء والمستكبرين في النار وقول الملائكة لهم [5] .
والثاني: نسخ ما لا يجيز العقل نسخه، كنسخ الإحسان والإذعان والإيمان [6] .
والثالث: نسخ يؤدّي إلى اللوم والغرور، كنسخ ما أوجب الله تعالى من جزاء الإحسان.
والرابع: نسخ يؤدّي إلى الحنث، كنسخ قوله: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ،} الآية [الأعراف:18] ، وقوله: {فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر:92] ، {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها،} الآية [مريم:71] . ولو لم يكن للقسم مزيّة على الوعد والوعيد لما ذكر القسم.
والخامس: نسخ حكم لم يفد شيئا، كنسخ ما لم ينزله جبريل عليه السّلام بعد، إذ هو يؤدّي إلى البداء.
والسادس: نسخ [7] لم يبيّن؛ لأنّه محال إذ ترك تبيين النسخ إبقاء للحكم الأوّل، فلا يجتمعان.
وما يجوز نسخه ستّة أنواع:
(1) في ع: بتقدر، وفي ب: بتقدير.
(2) ينظر: أصول السرخسي 2/ 57 - 58.
(3) ينظر: الإحكام للآمدي 3/ 118 - 119.
(4) في الأصل وك: فبنا.
(5) الآيات 47 - 50 من سورة غافر. وينظر: الإحكام لابن حزم 4/ 475، واللمع في أصول الفقه 56 - 57، وأصول السرخسي 2/ 59.
(6) ينظر: الإحكام لابن حزم 4/ 475.
(7) بعدها في ب: لأنه، وهي مقحمة.