فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 316

وفي يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول من السنة الرابعة عشرة من مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصل إلى قباء وقال عروة بن الزبير: سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحَرة (وهي مكان بين مكة والمدينة) فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم (وهو المكان المرتفع) فبصر بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب (يعني يراهم من بعيد) فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معاشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صامتًا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يروا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجيئوا أبا بكر يظنون أنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل على نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بردائه فعرف الناس أن هذا هو الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبقي علي بن أبي طالب ثلاثة أيام حتى أدى الأمانات عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثمّ هاجر ماشيًا على قدميه حتى أدرك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة أقام الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقباء أربعة أيام على المشهور الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجد قباء وصلى فيه وهو أول مسجد أسس على التقوى ولما كان اليوم الخامس وهو يوم الجمعة ركب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأمر الله له وأردف أبا بكر وأرسل إلى بني النجار وهم أخوال جده عبد المطلب فجاؤا متقلدين سيوفهم فسار جهة المدينة فأدركته الجمعة في قرية لبني سالم بن عوف فجمّع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي وهذه أول جمعة صلاها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة وبعد أن صلى الجمعة انطلق إلى داخل المدينة فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته هلمّ إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة فكان يقول لهم خلّوا سبيلها فإنها مأمورة فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي فبركت فلم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلًا ثمّ التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول فنزل عنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بني النجار وكان من توفيق الله لها فإنه أحب أن ينزل على أخواله وذلك ليكرمهم بذلك وهذه من صلة الرحم. فجعل الناس يكلمون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النزول إليهم فكل واحد منهم يأتي إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويقول يا رسول الله انزل عندي، اسكن عندي، فقام أبو أيوب الأنصاري وأخذ رحل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم دخل به إلى بيته فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال المرء مع رحله فجاء أسعد بن زرارة لما رأى هذا الأمر من أبي أيوب الأنصاري فأخذ بزمام راحلة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال والراحلة عندي يعني أخدمها لك فكانت عنده. وبعد أيام وصلت زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سوْدة وابنتاه فاطمة وأم كلثوم وكذلك أسامة بن زيد وأم أيمن وكل أولئك خرج معهم عبدالله بن أبي بكر ومعه كذلك أولاد أبي بكر الصديق وبقيت زينب بنت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند أبي العاص بن الربيع لم تستطع أن تهاجر معه وذلك أنه كان على دين قومه. بعد أن استقر بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المقام قام ببناء المسجد النبوي في المكان الذي بركت فيه الناقة وكان المكان لغلامين يتيمين فاشتراه وبناه المسلمون وشارك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في البناء بيديه الكريمتين صلوات الله وسلامه عليه وكان يقول وهو يبني معهم اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة. فكان الأنصار يعملون مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويقولون: لإن قعدنا والنبي يعمل،،،،، لذاك منا العمل المضلل. وكانت في ذلك المكان (أي الذي أراد أن يبني فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم المسجد) قبور للمشركين وكان فيه خِرب ونخل فأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالقبور فنبشت والخِرب فسويت وبالنخل فقطعت وصفت في قبلة المسجد وكانت القبلة في ذلك الوقت إلى الآن إلى بيت المقدس لم يؤمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالتوجه إلى مكة وبنى بجانب هذا المسجد بيوتًا وهي الحُجر أي بيوت أزواجه صلوات الله وسلامه عليه وبعد أن تكامل البنيان انتقل صلوات الله وسلامه عليه إلى تلك البيوت ثمّ آخى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين المهاجرين والأنصار وذلك في دار أنس بن مالك وكانوا تسعين رجلًا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار آخى بينهم على المواساة وأنهم يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام وذلك إلى أن أنزل الله تبارك وتعالى بعد بدر"وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض"فرجع التوارث إلى الأقارب. ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية فلا حمية إلا للإسلام وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن فالقضية قضية تقوى واتباع. روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قدم المدينة آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فقال سعد لعبد الرحمن بن عوف إني أكثر الأنصار مالًا فأقسم مالي نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمّها لأطلقها فإذا انقضت عدتها تزوجها فقال عبد الرحمن بن عوف بارك الله في أهلك ومالك أين سوقكم فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من إقط وسمن ثم تابع الغدو (أي من غد) ثمّ جاء يومًا وبه أثر صُفرة فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: مهيم؟ (أي ما حدث) قال: تزوجت قال: كم سُقت إليها؟ قال: نواة من ذهب. وروى أيضًا البخاري عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل فقال: لا فقالوا: فتكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة قالوا نعم سمعنا وأطعنا وهذا يدلنا على أمرين اثنين أيضًا:

أولًا: سخاء الأنصار كما قال الله تبارك وتعالى"والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون".

ثانيًا: يظهر لنا كذلك موقف المهاجرين وذلك أنهم لم يستغلوا طيبة الأنصار ولذلك لم يقبل عبد الرحمن بن عوف عرض سعد بن الربيع ولم يقبل المهاجرون عرض الأنصار أن يقاسموهم نخيلهم.

وبعد ذلك عقد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المعاهدات مع اليهود الذين كانوا يعيشون في المدينة وهم لم يدخلوا في الإسلام فعقد معهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معاهدة ترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال ولم يتجه إلى سياسة الإبعاد من المدينة بل تركهم فيها صلوات الله وسلامه عليه. في هذه الفترة أرسلت قريش إلى المسلمين تقول لا يغرنكم أنكم أفلتم منّا إلى يثرب فسنأتيكم ونستأصلكم ونبيد خُضْراءكم في عقر داركم. وذلك أنه روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: سهر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال: ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح (أي صوت سلاح) فقال: من هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص، فقال النبي: ما جاء بك؟ فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثمّ نام وهذا من توفيق الله تبارك وتعالى له.

بدء السرايا:

وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحرس (بضم الياء) ليلًا حتى أنزل الله تبارك وتعالى"والله يعصمك من الناس"فأخرج الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأسه من القبة فقال يا أيها الناس انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجل وهذا يبين شدّة اليقين بالله جل وعلا حتى أذن الله تبارك وتعالى بالقتال والدفاع بقوله جل وعلا"أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير". بعد هذا الإذن من الله تبارك وتعالى بالقتال بدأت السرايا وكان من هذه السرايا سرية نخلة وذلك في السنة الثانية من الهجرة بعث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبدالله بن جحش الأسدي إلى مكان يقال له نخلة في اثني عشر رجلًا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان على بعير (للفقر) وكان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كتب له كتابًا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثمّ ينظر فيه فسار عبدالله بن جحش ثمّ قرأ الكتاب بعد يومين إذا فيه إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها عير قريش (العير هي القافلة المحملة) وتعلم لنا من أخبارهم فقال عبدالله بن جحش عندما قرأ الكتاب: سمعًا وطاعة (يحدّث نفسه بذلك) ثمّ أخبر أصحابه في ذلك أنه لا يستكرههم فمن أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع وأما أنا فناهض فنهضوا كلهم ولكن في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه وسار عبدالله بن جحش حتى نزل بنخلة فمرت عير لقريش تحمل زبيبًا وهو العنب وأدمًا (وهو الطعام) وتجارة وفيها عمرو بن الحضرمي وعثمان ونوفل ابنا عبدالله بن المغيرة والحكم بن كيسان فتشاور المسلمون وقالوا نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام وإن تركناهم دخلوا الحرم والأشهر الحرم أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد والثلاثة السرد هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم والواحد الفرد رجب هذه أشهر محرمة منذ أن خلق الله السماوات والأرض إلى يومنا هذا وهناك عندنا أماكن محرمة في السابق كانت مكة والآن يعني بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة فحرم المدينة كما حرّم الله تبارك وتعالى مكة فعندنا حرمان مكة والمدينة المهم أنهم وقعوا في مشكلة وذلك أنهم أدركوا هذه العير في آخر يوم من رجب ورجب من أشهر الحرم إذا أتوا إلى العير وقتلوهم وأخذوا ما عندهم من مال فقد قاتلوا في الشهر الحرام وإن تركوهم دخلوا إلى البلد الحرام (مكة) فوقعوا في مشكلة يعني هم بين ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يقاتلوهم في الشهر الحرام.

الحالة الثانية: أن يتركوهم حتى يدخلوا مكة ويقاتلونهم غدًا في الأشهر الحلال ولكن في المكان الحرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت