فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 316

الحالة الثالثة: وهي أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام ولا يقاتلوهم في البلد الحرام ولكن تفلت العير وتدخل إلى مكة وتنجو. وكانت مكة كما هو معلوم قد أخذت أموال المسلمين بل وأخذت كما ذكرنا نساءهم وأخذت دورهم وأخذت أبناءهم وآذت من آذت وقتلت من قتلت فكان أخذ العير نوع من رد بعض الحقوق وللإنسان أن يرد حقه ممن ظلمه ولو وصل الأمر إلى القتال. فتشاور المسلمون ثمّ اجتمعوا على اللقاء (يعني القتال) فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله وأسروا عثمان والحكم بن كيسان وأفلت منهم نوفل وقدموا بالعير والأسيرين إلى مدينة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد عزلوا من ذلك الخمس وذلك كان أول خمس (يعني في الغنيمة) وهذان كانا أول أسيرين وذاك كان أول قتيل في الإسلام. فلما وصلوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخبروه بما حدث أنكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما فعلوه وقال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ثمّ أوقف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أي تصرف في العير والأسيرين أما قريش فوجدت في هذه فرصة فبدأوا يتكلمون في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه وقالوا إنه أحل ما حرم الله وأكثروا في القيل والقال حتى أنزل الله تبارك وتعالى الوحي يدافع به عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه قال الله تبارك وتعالى (( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير(أي من الكبائر) وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل…… ))الله أكبر، يقول الله تبارك وتعالى للمشركين أنتم تنكرون على المسلمين أن قتلوا رجلًا في الشهر الحرام ونحن نوافقكم هذا العمل لا يجوز ولكن أنتم يا من تعيبونهم في هذا انظروا ماذا تفعلون يقول لله تبارك وتعالى"وصد عن سبيل الله"أي الذي تفعلونه"وكفر به"أي الذي تفعلونه يا كفار مكة"والمسجد الحرام"أي وصد عن المسجد الحرام"وإخراج أهله منه"وهو طرد المسلمين من مكة وإخراجهم بالتهديد وبالتعذيب"أكبر عند الله والفتنة"أي فتنة الناس عن دينهم أكبر من قتلهم فكانت هذه الآية مما طيب الله تبارك وتعالى بها قلوب المؤمنين فكأن الله جل وعلا يقول لهم ليس هؤلاء من لهم أن يعيبوا عليكم ذلك لأن فعلهم أكبر من فعلكم بكثير. عند ذلك أطلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سراح الأسيرين وأدى الدية عن المقتول إلى أوليائه. وفي السنة الثانية من الهجرة في شهر شعبان أمر الله تبارك وتعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام بقوله"قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينّك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره"فحولت القبلة والمشهور أنه حوّلت القبلة في صلاة الظهر أو في صلاة العصر والأكثر على أنها في صلاة العصر. يُذكر أنه أول من صلى إلى مكة البراء بن معرور لما خرجوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بيعة العقبة الثانية وذلك أنهم خرجوا إلى مكة فلما وصلوا إليها أو قبل ذلك أدركتهم الصلاة فأرادوا أن يصلوا والمدينة معلوم موقعها بين مكة وبيت المقدس فمن أراد أن يصلي إلى بيت المقدس فلابد أن يعطي مكة ظهره ومن أراد أن يصلي إلى مكة لابد أن يعطي بيت المقدس ظهره فصلوا إلى بيت المقدس أما البراء بن معرور رضي الله عنه فصلى إلى مكة فاستغرب أصحابه منه فلما قضى من الصلاة قالوا: ويحك ماذا فعلت؟ قال: والله إني كرهت أن أجعل هذه البُنية في ظهري فقالوا: ويحك إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي إلى بيت المقدس قال لا أدري فتركوه فلما وصلوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبروه فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال قد كنت على قبلة لو صبرت يعني كان المفروض أن تصلي إلى بيت المقدس لو صبرت قليلًا وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتمنى أن تكون مكة هي القبلة وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي إليها فيصلي خلف الكعبة باتجاه بيت المقدس صلوات الله وسلامه عليه.

معركة بدر الكبرى:

بعد تحويل القبلة كانت معركة بدر الكبرى وذلك أن عيرًا لقريش جاءت من الشام بقيادة أبي سفيان ولما قرب رجوعها بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد ليقوما باكتشاف خبرها فوصلا إلى مكان يقال له الحوراء فمكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير فأسرعا إلى المدينة وأخبرا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخبر بأن العير فعلًا قادمة بقيادة أبي سفيان وأخبراه بالعدد وأخبراه بما في هذه العير من خير عند ذلك أعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسلمين قائلًا هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها (أي يعطيكم الله تبارك وتعالى تلك الأموال) ولم يعزم على أحد (أي ما أمر أحدًا بالخروج) واستعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للخروج وخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا ولم يتخذوا أهبة كاملة (أي لم يستعدوا استعدادًا كاملًا) ولكنهم خرج معهم فارسان بفرسين هما الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وكان معهم سبعون بعيرًا كل اثنين أو ثلاثة على بعير وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد على بعير واحد كل فترة يركب أحدهم وينزل اثنان وأعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لواء القيادة لمصعب بن عمير القرشي رضي الله تبارك وتعالى عنه وأعطى كتيبة المهاجرين أعطى علمها لعلي بن أبي طالب وأعطى كتيبة الأنصار لسعد بن معاذ وجعل قيادة الميمنة للزبير وعلى الميسرة المقداد بن عمرو والقيادة العامة بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. أبو سفيان كان يتحسس الأخبار ويخاف بعد وقعة ابن الحضرمي وأخذ الأسيرين فعلم أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج لملاقاة العير فاستأجر رجلًا يقال له ضمضم بن عمرو مستصرخًا لقريش بالنفير ليمنعوه من محمد وأصحابه فخرج ضمضم إلى مكة سريعًا فصرخ ببطن الوادي وجدع أنف البعير (وهذه كانت من عاداتهم) وحوّل رحله وشق قميصه (أي كل هذه الأشياء للإثارة كانت تستخدمها العرب في السابق لكي يبين أن الأمر جلل ولذلك كانت العرب تقول أنا النذير العريان يعني أن المسألة وصلت إلى حد لا يحتمل التسامح أو لا يحتمل التراخي بل لابد من السرعة ولابد من التجهز وغير ذلك من الأمور) وقال يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث فتحفّز الناس سراعًا وقالوا أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي كلا والله ليعلمنّ غير ذلك فكانوا بين رجلين أي أهل مكة كلهم إما خارج وإما باعث مكانه رجلًا وأوعبوا في الخروج (أي استعدوا) فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى برجل عليه دين فقال أسقط عنك ديني واخرج بدلي وحشدوا من حولهم من قبائل العرب ولم يتخلف من بطون قريش إلا بنو عدي فإنهم لم يخرجوا معهم وكان هذا الجيش نحو ألف وثلاثمائة مقاتل معهم ستمائة فرس ولو عملنا مقارنة لوجدنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه ثلاثمائة وبضعة عشر (يعني سبعة عشر أو خمسة عشر أو ستة عشر) والمشركون ألف وثلاثمائة المسلمون معهم فرسان بقائدين المشركون ستمائة فرس فهذا عدد المسلمين وعدتهم وذاك عدد المشركين وعدتهم المسلمون خرجوا للعير الكفار خرجوا للقتال حتى الاستعداد النفسي. إذًا الآن المشركون متفوقون في ثلاثة أمور:

أولًا: العدد

ثانيًا: العدة

ثالثًا: الاستعداد النفسي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت