ثمّ بعد ذلك قيل في السنة الثانية عشر من البعثة وقيل غير ذلك ولكن هذا هو المشهور أنه قبل هجرته بسنة وشهرين يعني في السنة ثانية عشر من النبوة وقع الإسراء والمعرج وذلك في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول قال صلوات الله وسلامه عليه مبينًا حادثة الإسراء التي وقعت له أنه بينما كان نائمًا في الحطيم بين النائم واليقضان عند البيت (والحطيم هو الحجر(بكسر الحاء ) ) إذ سمع قائلًا أحد الثلاثة بين الرجلين وذلك بعدما صلى لأصحابه صلاة العتمة (الليل) بمكة قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإذا جبريل وهو أقرب الناس شبهًا بدحية بن خليفة الكلبي فأخذوني وانطلقوا بي إلى زمزم فلم يكلموني حتى وضعوني عند بئر زمزم وأتاني جبريل ففرج صدري (أي شقه) فشق ما بين هذه إلى هذه (يعني من ثغرة نحره إلى شعرته(بكسر الشين وتسكين العين ) ) إلى مراقي البطن (أي إلى آخر البطن) حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله بماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم ثم أتيت (بضم الألف) بطست من ذهب فيه تور من ذهب (يعني إناء من ذهب) مملوءة حكمة وإيمانًا فأفرغه في صدري فغسل قلبي ثمّ حشا به صدري ولغاديدي، (اللغاديد ما بين الحنك إلى العنق) ، ثمّ أطبقه وقال قلب وكيع (يعني شديد) فيه أذنان سميعتان وعينان بصيرتان محمد رسول الله المقفّي الحاشر، خلقك قيّم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثمّ أتيت بالبراق (وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل) يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته (بكسر الكاف) حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ثمّ دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثمّ أخذ بيدي (يعني جبريل) فانطلق بي حتى أتى السماء الدنيا فضرب بابًا من أبوابها فاستفتح، قيل من هذا؟ قال: جبريل؟ قيل من معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قيل وقد أرسل (بضم الألف) إليه؟ قال: نعم، قيل مرحبًا به وأهلًا به فنعم المجيء جاء يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم (بضم الياء وكسر اللام) ففتح لنا (بضم الفاء الثانية) فلما خلصت علوت من السماء الدنيا فإذا فيها آدم رجل قاعد على يمينه أسودة (بكسر الواو) وعلى يساره أسودة (يعني مجموعة) إذا نظر قبل (بكسر القاف) يمينه ضحك وإذا نظر قبل يساره بكى قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم صلى الله عليه وسلم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم (بفتح النون) بنيه (يعني أرواح بنيه) فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فسلّم عليه فسلمت عليه فرد السلام فقال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح نعم الابن أنت ودعا لي بخير ثمّ صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح فقال لخادمها: افتح فقالت الملائكة له مثل ما قالت له في السماء الأولى يعني من أنت؟ من معك؟ أوقد أرسل إليه؟ وهكذا فلما خلصت يعني إلى السماء الثانية إذا بيحيى وعيسى وهما ابنا خالة وذلك أن مريم عليها السلام وأم يحيى زوجة زكريا أختان فقلت: من هذا؟ قال: هذا يحيى وعيسى فسلّم عليهما فسلّمت عليهما فردا السلام ثمّ قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعوا لي بخير ثمّ صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح فقالوا له مثل ما قالوا في الأولى والثانية فلما خلصت إذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم وإذا هو قد أُعطي (بضم الألف) شطر الحسن (أي نصف الجمال وهذا هو مصداق قول الله تبارك وتعالى"فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم") فقال لي: هذا يوسف فسلّم عليه فسلّمت عليه فرد السلام ثمّ قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعا لي بخير ثمّ صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح فقالوا له مثل ذلك فلما خلصت إذا إدريس قلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس فسلّم عليه فسلّمت عليه فرد عليّ ثمّ قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعا لي بخير قال الله تعالى"ورفعناه مكانًا عليًا" (يعني إدريس صلى الله عليه وسلم) ثمّ صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح فقالوا له مثل ذلك فلما خلصت فإذا أنا بهارون صلى الله عليه وسلم قال: هذا هارون فسلّم عليه فسلّمت عليه فرد ثمّ قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعا لي بخير قال ثمّ صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح فقالوا له مثل ذلك فلما خلصت فإذا أنا بموسى صلى الله عليه وسلم وذلك بتفضيل كلام الله له فقال موسى رب لم أظن أن يرفع علي أحد قلت: من هذا؟ قال: موسى فسلّم عليه فسلّمت عليه فرد ثمّ قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعا لي بخير فلما تجاوزت بكى قيل له: ما يبكيك قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي (وهذا يبين لنا أن كل نبي حريص على أمته) ثمّ صعد بي حتى أتى السماء السابعة فاستفتح فقالوا له مثل ذلك فلما خلصت فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور (والبيت المعمور هذا في السماء السابعة لو سقط لسقط على بيت الله الحرام أي الكعبة) شيخ جليل مهيب قلت: من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم صلى الله عليه وسلم فسلّم عليه فسلّمت عليه فرد السلام ثمّ قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح ثمّ رفع لي البيت المعمور في السماء السابعة والذي يقال له الضراح (بضم الضاء) وهو بحيال الكعبة فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور يدخله كل يوم يصلي فيه سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه أبدا (وهذا يدلنا على أن عدد الملائكة عظيم جدًا سبعون ألف ملك كل يوم يخلقهم الله تعالى يطوفون في البيت المعمور وذلك حتى تقوم الساعة) ثمّ علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء سدرة المنتهى قال ثمّ رفعت لي سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج (بضم الياء) به من الأرض فيقبض (بضم الياء) منها وإليها ينتهي ما يهبط (بضم الياء) به من فوقها فيقبض منها (بضم الياء) فإذا نبقها مثل قلال هجر، (النبق هو ثمر السدر، والقلال هي القلة(بضم القاف) التي يحمل فيها الماء) وإذا ورقها مثل آذان الفيلة يسير الراكب في ظل الفنن منها، (والفنن هو الغصن) ، مائة سنة يستظل بالفنن منها مائة راكب، فقال: هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار تخرج من أصلها نهران باطنان ونهران ظاهران قلت ما هذان يا جبريل قال أما النهران الباطنان فنهران في الجنة وأما النهران الظاهران فالنيل والفرات ثمّ أتيت (بضم الألف) بإناء من خمر وإناء من لبن وأناء من عسل فأخذت اللبن فقال أصبت أصاب الله بك الفطرة التي أنت عليها وأمتك ثمّ أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ (يعني قبب من اللؤلؤ) وإذا ترابها المسك فسمع من جانبها وجسًا (الوجس هو الصوت الخفي) قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا بلال قال: فسمعت خشفة (والخشفة هي الحركة الخفيفة) فقلت: ما هذه الخشفة؟ فقيل هذه الرميصاء بنت ملحان امرأة أبي طلحة قال: بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بقصر أبيض فقلت: لمن هذا يا جبريل؟ ورجوت أن يكون لي فقال: لعمر بن الخطاب ثمّ سرت هنيهة فرأيت قصرًا هو أحسن من القصر الأول من ذهب مربع يسمع فيه ضوضاء بفنائه جارية تتوضأ إلى جانب القصر فقلت: لمن هذا القصر يا جبريل؟ ورجوت أن يكون لي فقال: هو لرجل من أمة محمد قلت: فأنا محمد لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب قلت: أنا عربي لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش قال: فظنت أني أنا هو فقلت: أنا قرشي لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب وإذا فيه من الحور العين فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرته فوليت مدبرا (أي تركته) . وإذا بنهر أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك فضرب بيده فإذا طينه مسك أذفر (أي طيب الرائحة) فضربت بيدي إلى تربته في مجرى الماء فإذا مسكة مدّفرة فإذا حصاه لؤلؤ ومّر برائحة طيبة فقال: ما هذه الرائحة يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل وما شأنها؟ قال: بينما هي تمشط ابنة فرعون إذ سقطت المدرى من يدها (والمدرى مثل المشط) فقالت: بسم الله فقالت لها بنت فرعون: أبي؟ (لأن فرعون كان يدعي أنه هو الله) فقالت لها الماشطة: لا، ولكن ربي وربك ورب أبيك قالت: أولك رب غير أبي؟ قالت: نعم ربي وربك ورب أبيك الله قالت: أقول له إذًا قالت: قولي له فدعاها فقال لها: يا فلانة أولك رب غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله عز وجل الذي في السماء قال جبريل: فأمر ببقرة من نحاس (أي مصنوعة من النحاس) فأحميت (بضم الألف) ثمّ أمر (بضم الألف) بها لتلقى هي وأولادها فيها فقالت له الماشطة: إن لي إليك حاجة قال: وما هي؟ قالت: أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا قال: ذلك لك علينا لما لك علينا من الحق فأمر بأولادها فألقوا في البقرة بين يديها واحدًا واحدا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع (بفتح الضاء) (أي رضيع) وكأنها تقاعست من أجله (يعني خافت عليه) فتكلم الرضيع بإذن الله تبارك وتعالى وقال لها: يا أمه قعي ولا تقاعسي اصبري فإنك على الحق اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ثم ألقيت مع ولدها. (فكان هذا من الأربعة الذين تكلموا وهم صبيان وهم عيسى عليه الصلاة والسلام، وابن ماشطة بنت فرعون، وصاحب جريج الذي تكلم في المهد، وولد المرأة التي ألقيت في الأخدود في قصة أصحاب الأخدود) ، فنظر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النار فإذا قوم يأكلون الجيف (بفتح الياء) فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ورأى رجلًا أحمر أزرق جعدًا شعثًا إذا رأيته قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عاقر الناقة أي ناقة صالح عليه الصلاة والسلام، ولمّا عرج (بضم العين) بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به مرّ على قوم تقرض (بضم التاء) شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمّتك الذين يقولون ما لا يفعلون الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لمّا عرج بي ربي عزّ وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم وقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ورأى صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجنّة والنّار ووعد الآخرة أجمع ثمّ عرج (بضم العين) حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام ومررت بالملأ الأعلى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى فلمّا غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها عليها السندس والإستبرق وغشيها الملائكة فراش من ذهب وتحولت ياقوتًا أو زمردًا أو نحو ذلك وألوان ما أدري ما هي؟ ثمّ فرضت عليً الصلاة خمسين صلاةً كل يوم فأوحى الله إلي ما أوحى ثم رفع جبريل رأسه ورأيته في خلقه الذي خلق (بضم