فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 316

فلما أصبح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مكة فضع (بضم الفاء) بأمره يعني اشتد عليه الأمر كيف يخبرهم وكيف سيصدقونه، وارتد ناس مما كانوا آمنوا به وصدقوه بعد أن سمعوا أخبار إسرائه ومعراجه صلوات الله وسلامه عليه وسعى الناس بذلك إلى أبي بكر فقالوا له هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس وما ذكر لهم أنه عرج به إلى السماء ذكر لهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أسري به فاستكبروا ذلك واستعظموه فقال لهم أبو بكر أو (بفتح الواو) قال ذلك؟ يعني أخشى أنكم تكذبون عليه ، قالوا: نعم. قال: لئن كان قد قال ذلك فقد صدق قالوا: أتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. وقعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معتزلًا حزينًا فمرّ به أبو جهل فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزء هل كان من شيء؟ فقال له صلوات الله وسلامه عليه: نعم. قال أبو جهل: وما هو؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إني أسري بي الليلة قال أبو جهل: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس قال أبو جهل: ثم أصبحت بين ظهرانينا قال: نعم. فقال أبو جهل وكأنه يرى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يكذبه بعد ذلك وخاف أن يجحده فقال: أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: نعم. فقال أبو جهل: هيا يا معشر بني كعب بن لؤي هلم (أي اجتمعوا) فانتفضت إليه المجالس وجاؤا حتى جلسوا إليهما (أي إلى أبي جهل وسيده وسيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فقال أبو جهل لرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: حدّث قومك بما حدثتني فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إني أسري بي الليلة فقالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال نعم فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ (أراد أهل مكة أن يختبروا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذلك أن بعض أهل مكة قد وصلوا إلى بيت المقدس ورأوه والنبي يعلمون أنه ما سافر إلى بيت المقدس أبدًا فأرادوا أن يتأكدوا من صدقه صلوات الله وسلامه عليه) فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فلما كذبتني قريش ذهبت أنعت لهم فما زلت أنعت حتى سألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها يعني وصفت لهم بيت المقدس ولكن صاروا يسألون عن أشياء دقيقة ما انتبهت إليها خلال مسراي فكربت كربة ما كربت مثلها قط يعني اشتد الأمر علي فأثنيت على ربي وسألته أن يمثل لي بيت المقدس (وهنا المؤمن إذا اشتد به الأمر لا ملجأ إليه إلا إلى الله لجأ إلى الله جلّ وعلا فماذا فعل الله به) قال: فجلّى الله لي بيت المقدس (فكان الله معه وهكذا المؤمن إذا التجأ إلى الله تبارك وتعالى في صدق فإن الله لا يضيعه أبدًا سبحانه وتعالى) فرفّعه إليّ أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل يعني قريبًا جدًا أراه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه فقال القوم أما النعت فوالله لقد أصاب (يعني الوصف دقيق جدًا) فقال لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم وإن من آيتي (أي من علامة صدقي فيما أقول لكم) أني مررت بعير لكم (والعير هي القافلة) بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيرًا لهم جمعه فلان وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا ويأتونكم يوم كذا وكذا (هذا أيضًا دليل على صدقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم) يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان فلما كان اليوم الذي أشرف فيه الناس ينتظرون حتى كان قريبًا من نصف النهار حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال ناس نحن لا نصدق محمدًا بما فارتدوا كفارًا فضرب الله رقابهم مع أبي جهل (وهذا يبين لنا أنهم معاندون للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإلا بعد هذا الوصف الدقيق من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد هذا كله يصرون على استكبارهم وعلى ضلالهم والعياذ بالله) . وهذا الإسراء الذي وقع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له حكم كثيرة فمن حكمه:

1)أن الله تبارك وتعالى أتاح لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الاطلاع على المظاهر الكبرى بقدرته سبحانه وتعالى حتى يزداد ثقة بالله تبارك وتعالى.

2)وكذلك في قصة الإسراء والمعراج تظهر أواصر القربى بين الأنبياء إذ أن الأنبياء جميعًا دينهم واحد كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنّا معاشر الأنبياء إخوة لعلاّت أبونا واحد وأمهاتنا شتى. يعني الدين واحد لكن الشرائع هي التي تختلف. إن الأنبياء بينهم من المودة الشيء العظيم وهذا ما وقع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع إخوانه الأنبياء، في كل سماء يأتيها يرحب به أنبياء السماء ف ون له مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح أو مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح. وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلاّ وضعت هذه اللبنة حتى يكتمل البناء ؟ فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين. وهذا الحديث متفق عليه.

3)وكذلك في الإسراء تحقق أن هذا الدين هو دين الفطرة كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاخترت اللبن فقيل لي اخترت الفطرة.

انشقاق القمر:

ثمّ بعد هذه الحادثة وقعت حادثة أخرى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي حادثة عجيبة ذكرت بالتواتر ألا وهي انشقاق القمر وذلك أن قريشًا طلبت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علامة أو دلالة على صدقه صلوات الله وسلامه عليه وكأنه ما أتاهم بشيء من ذلك فطلبوا منه صلوات الله سلامه عليه أن يشق القمر نصفين فقال أرأيتم لو شق الله لكم القمر نصفين أتؤمنون؟ قالوا وما لنا لا نؤمن فدعى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه تبارك وتعالى فشق الله لهم القمر نصفين فلما نظروا إلى القمر وهو نصفين بينهما أي بين الشقين جبل أبي قبيس قالوا لقد جاء بسحر فقال قائل منهم إن كان قد سحركم فلا يستطيع أن يسحر الناس جميعًا فانتظروا السفّار (بضم السين) إذا جاؤا فلما جاء السفّارة أي المسافرون قالوا لهم ما أعجب ما رأيتم قالوا في ليلة كذا رأينا القمر فلقتين قالوا لقد جاء بسحر عظيم سحر الناس أجمعين. وهذا مصداق قول الله تبارك وتعالى في سورة القمر"اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يقولوا سحر مستمر"أي سحر قوي.

بعد هاتين الحادثتين حادثة الإسراء وحادثة انشقاق القمر استمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو إلى الله تبارك وتعالى.

بيعة العقبة الأولى:

قد مرّ بنا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا بعض أهل المدينة وأنهم آمنوا به وتابعوه صلوات الله وسلامه عليه فلما كان في الموسم الثاني وهو موسم الحج وذلك في السنة الثانية عشرة من بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبايعوه والذين بايعوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هم معاذ بن الحارث وابن عبد القيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة والعباس بن عبادة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة، أبو الهيثم وعويم من الأوس والبقية كلهم من الخزرج بايعوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيعة النساء (وبيعة النساء هي التي ذكرها الله تبارك وتعالى في قوله جل وعلا"يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله". هكذا كان يبايع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الرجال) قال عبادة بن الصامت: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان لتفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو له كفارة ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه قال فبايعناه على ذلك هذا الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه. ثم بعد ذلك أرسل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مصعب بن عمير يدعوهم إلى الإسلام ونجح مصعب بن عمير نجاحًا باهرًا في دعوتهم إلى الله تبارك وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت