لما نزل قول الله تبارك وتعالى"يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر"جهر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذلك أن الله تبارك وتعالى انتزعه من النوم والتدثر والدفء إلى الجهاد والكفاح والمشقة فقال"يا أيها المدثر قم فأنذر"كأنه قيل له إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا وأما أنت الذي تحمل هذا العبء الكبير فما لك والنوم وما لك والراحة وما لك والفراش الدافئ قم للأمر العظيم الذي ينتظرك والعبء الثقيل المهيأ لك قم للجهد (بفتح الجيم) والنصب (بفتح النون والصاد) والكد والتعب قد مضى وقت النوم والراحة وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل والجهاد الطويل الشاق قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد . هكذا أمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقوم ويجهر بالدعوة إلى الله تبارك وتعالى. وقد روى لنا أبو هريرة رضي الله تبارك وتعالى عنه بداية دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجهره بها صلوات الله وسلامه عليه قال أبو هريرة لما أنزلت هذه الآية"وأنذر عشيرتك الأقربين"دعا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قريشًا فاجتمعوا فعمّ وخصّ فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلّها ببلاها، رواه الإمام مسلم في صحيحه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لمّا نزلت هذه الآية"وأنذر عشيرتك الأقربين"خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى صعد الصفا (جبل الصفا) فهتف يا صباحاه (وهذه جملة كان يستعملها الناس في ذلك الوقت للمناداة ينادون الناس اجتمعوا الأمر مهم) فقالوا من هذا الذي يهتف؟ قالوا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاجتمعوا إليه فقال يا بني فلان يا بني فلان يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب فاجتمعوا إليه فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي وفي رواية لو حدثتكم أن خلف هذا الوادي جيش مصبّحكم (أي سيدخل عليكم صباحًا) أكنتم مصدقي؟ (والله لو قالوا له نصدقك لكفى ولكن أبى الله تبارك وتعالى إلا أن يشهدوا بالحق وإلا أن يقولوا الكلمة التي تكون شاهدة عليهم وعلى تكبرهم وعنادهم وإعراضهم عن الحق الذي عرفوه، ماذا قالوا؟) قالوا ما جرّبنا عليك كذبًا قط، (هكذا يشهد أهل مكة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على المشهور بعد ثلاث وأربعين سنة بأنهم ما جرّبوا عليه الكذب أبدًا ولذلك سيأتينا من قصة أبي سفيان لمّا يسأله هرقل وذلك في بداية السنة السابعة من الهجرة بعد صلح الحديبية هل كان يكذب قبل أن يقول ما قال فقال لا وهكذا هي صفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يكذب أبدًا صلوات الله وسلامه عليه) قالوا ما جربنا عليك كذبًا قط فقال إنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقام عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبو لهب فقال تبًا لك أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثمّ قام فأنزل الله تبارك وتعالى آيات يدافع فيها عن نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال سبحانه وتعالى"تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارًا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد". ثمّ كانت بعد ذلك الدعوة الجهرية قال ابن إسحاق ثمّ أمر الله تبارك وتعالى رسوله بعد ثلاث سنين من البعثة بأن يصدع بما أمر (بضم الألف) وأن يصبر على أذى المشركين وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب استخفوا بصلاتهم من قومهم فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر يصلون في شعاب مكة إذ ظهر عليهم بعض المشركين فناكروهم (أي أنكروا عليهم وعابوا عليهم ما يصنعون) حتى قاتلوهم فضرب سعد بن أبي وقاص رجلًا من المشركين بلحى جمل (أي عظم جمل) فشجّه فكان أول دم أهريق في الإسلام. وبدأ الناس يدخلون في دين الله تبارك وتعالى وكان قد أسلم أبو بكر وعلي وزيد وبلال وخديجة ثمّ أسلم عمّار بن ياسر وأسلم كذلك عثمان والزبير وابن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله ثمّ أسلم أبو عبيدة وأبو سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم وعثمان بن مظعون وسعيد بن زيد وخباب بن الأرت و عبد الله بن مسعود وفاطمة بنت الخطاب وكل هؤلاء كان إسلامهم سرًا (أي كانوا يسرون بإسلامهم خوفًا من أهل مكة) . فبعد أن أنزل الله قوله جلّ وعلا"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين"قام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينكر خرافات الشرك وترّهاته ويذكر حقائق الأصنام وحقائق عبدتها وأنها لا تستحق العبادة ولا تستحق أن يسجد لها وأن تعبد من دون الله تبارك وتعالى وبدأ يسفّه الأحلام ويبين الضلال صلوات الله وسلامه عليه. عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال كنت رجلًا قينًا (أي عبدًا) وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقلت لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثمّ تبعث قال فإني إذا مت ثمّ بعثت (بضم الباء) جئتني ولي ثمّ (بفتح الثاء) مال وولد فأعطيك فأنزل الله تبارك وتعالى"أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالًا وولدا … إلى قوله تعالى ويأتينا فردا"أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. وعن خباب قال أتيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة أي مستند على برده (وهي العباءة) وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدّة فقلت ألا تدعو الله فقعد وهو محمر الوجه فقال قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد. ولما بدأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالدعوة إلى الله تبارك وتعالى مشى رجال من أشراف مكة إلى أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وسفّه أحلامنا وعاب ديننا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولًا رقيقًا وردهم ردًا جميلًا فانصرفوا عنه ومضى أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكلمه وينصحه واستمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ما هو عليه صلوات الله وسلامه عليه. ولما قرب موسم الحج والحجاج سيأتون إلى بيت الله تبارك وتعالى ولا شك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سيجدها فرصة سانحة للدعوة إلى الله تبارك وتعالى، اجتمع كفار مكة وكبراؤها إلى الوليد بن المغيرة وقالوا ما نقول إذا جاء الناس فقال لهم الوليد اجمعوا فيه رأيًا واحدًا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا ويرد قولكم بعضه بعضًا (يعني لا ينبغي أن يقول أحدكم ساحر والآخر يقول كاهن والثالث يقول مجنون والرابع يقول كذاب وهكذا يكذبكم الناس جميعًا أجمعوا قولًا واحدًا فيصدقكم الناس على ما تقولون) فقالوا له بل أنت قل ونسمع قال لا قولوا أنتم وأنا أسمع قالوا نقول كاهن قال لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه قالوا نقول مجنون قال ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه ما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته قالوا فنقول شاعر قال ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالوا فنقول ساحر قال ما هو بساحر لقد رأينا السحّار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم قالوا فما نقول فقال لهم والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة وما أنتم بقائلين شيئًا إلا عرف (بضم العين) أنه باطل وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، سبحان الله هو يقول لهم ما هو بساحر وهم يعرفون انه ليس بساحر ولكنه الكبر (بكسر الكاف) والعياذ بالله قال قولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك ولكن هل بقي الأمر هكذا؟ لا لقد دافع الله تبارك وتعالى عن نبيه فقال عن الوليد بن المغيرة ومن معه ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالًا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا … إلى قوله فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر". واتبعت قريش أساليب عدة في محاربة دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فمن هذه الأساليب التي استخدموها مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:"
أولًا: السخرية والاحتقار: رمي (بضم الراء) النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحابته بتهم وشتائم وتألفت جماعات للاستهزاء بالإسلام ورجاله فرسولهم ينادى بالجنون قال تعالى"وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون"ووصم بالسحر والكذب قال تعالى"وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب"وكذلك صاروا ينظرون إليه نظرًا يريدون بهذا النظر أن يزلقوه بأبصارهم أي يوقعوه في مهلكة من حسدهم قال الله تعالى"وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون"وسخروا أيضًا من أصحابه قال الله تعالى"إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضآلون وما أرسلوا عليهم حافظين". وقالوا عن القرآن الكريم أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا وقالوا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون وأرادوا لجهلهم أن يعارضوا القرآن الكريم بأساطير الأولين وذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا حدّث الناس ودعاهم إلى الله تبارك وتعالى وقرأ عليهم القرآن ثمّ قام جاء النضر بن الحارث فجلس مجلس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثمّ يقول والله ما محمد بأحسن حديثًا منّي ثمّ يحدثهم عن ملوك فارس ثمّ يقول بماذا محمد أحسن حديثًا منّي وحاولوا المساومة كما قال الله تبارك وتعالى"فلا تطع المكذبين ودوا لو تدهن فيدهنون".
ثانيًا: الإيذاء: وهو نوعان: