النوع الأول: الإيذاء النفسي: فأول هذا الإيذاء ما وقع من أبي لهب قبّحه الله وذلك أنه قد زوّج ولديه عتبة وعتيبة من بنتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رقية وأم كلثوم قبل البعثة فلما بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودعا إلى الله تبارك وتعالى وجهر بالدعوة أمر أبو لهب ولديه أن يطلقا بنتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فطلقاهما. وكانت امرأة أبي لهب أم جميل (أروى بنت حرب) لا تقل عن زوجها في عداوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد كانت تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى بابه ليلًا وكانت امرأة سليطة اللسان ولما سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن (أي قول الله تعالى(تبت يدا أبي لهب وتب …إلى آخر السورة) أتت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر وفي يدها حجارة فوقفت عليهما فأخذ الله بصرها فلم تر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم تر إلا أبا بكر فقالت يا أبا بكر أين صاحبك ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جالس جنبها مع أبي بكر فقالت قد بلغني أنه يهجوني والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه (أي الحجر) أما والله إني لشاعرة ثمّ قالت:
مذممًا عصينا ،،،، ودينه قلينا
ثمّ انصرفت فقال أبو بكر يا رسول الله أما تراها رأتك فقال ما رأتني فقد أخذ الله ببصرها عني. وازداد الأمر وذلك أن عقبة بن أبى معيط كما حدّث عبدالله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
النوع الثاني: الإيذاء الجسدي: عن عبدالله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحابه جلوس إذ قال بعضهم لبعض أيكم يأتي بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، (سلا الجزور هو بيت الولد أي المكان الذي يكون فيه الولد وهي المشيمة بالنسبة للإنسان ويقصدون بذلك سلا ناقة ميتة) فانبعث أشقى القوم وهو عقبة بن أبي معيط فجاء به فنظر (أي انتظر) حتى إذا سجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه يقول عبدالله وأنا أنظر لا أغني شيئًا لو كانت لي منعة (لأنه ليس من قريش) قال فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض (أي يتمايلون على بعضهم) ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة (أي بنت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فطرحته عن ظهره فرفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثمّ قال اللهم عليك بقريش ثلاث مرات يدعو عليهم فشق ذلك عليهم إذ دعا عليهم وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، كيف وهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صادق وأنه نبي حقًا صلوات الله وسلامه عليه كما قال الله تبارك وتعالى"قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"قال اللهم عليك بأبي جهل اللهم عليك بعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعد السابع يقول عبد الله ولم أحفظه والذي نفسي بيده لقد رأيت الذي عدّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صرعى في القليب قليب بدر (أي في معركة بدر كلهم قد صرعوا) ، أخرجه مسلم. وكذلك أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم؟ (يعني يسجد بين أظهركم وأنتم سكوت) قالوا نعم قال واللات والعزى لإن رأيته لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه (أي لأجعلنّ وجهه في التراب) فأتى أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يصلي زعم ليطأ رقبته فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقيه بيديه. (أي أدار ظهره وصار يجري ويرفع يديه ليتقي ليدفع عن نفسه) فقال له الناس ما لك يا أبا الحكم؟ ما الذي حدث؟ (أبو جهل كان يكنى بأبي الحكم لما يرونه من رجاحة عقله) قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهؤلاء أجنحة. يقول أبو هريرة فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوا. وروى البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير قال سألت عبدالله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال عبدالله بينما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه (أي بمنكبي عقبة) ودفعه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يقول أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله.
هذا ما وقع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأما ما وقع لأصحابه:
عثمان بن عفان: كان عمّه يلفه في حصير من أوراق النخيل ثم يدخنه من تحته،
مصعب بن عمير: لما علمت أمه بإسلامه طردته من بيتها وأجاعته وكان من أنعم الناس عيشًا في قري،
بلال بن رباح: فكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة (أي في أرض مكة ثمّ يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثمّ يقول لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتعبد اللات والعزى فيقول بلال أحد، أحد. هذا عذاب أمية لبلال وأمّا أمية فكان ينال عذابًا أكثر من هذا العذاب وهو بقول بلال أحد، أحد فكانت أشد على أمية من عذاب بلال رضي الله عنه وأرضاه فمر به أبو بكر يومًا وهم يصنعون ذلك به فاشتراه رضي الله عنه وأرضاه وقيل أن أبا بكر لما جاء ليشتريه قال بكم تبيعونه؟ قالوا قل أنت، قال: تبيعونه بخمسمائة، قال أمية: بعتك فاشتراه أبو بكر فقال أمية لو دفعت أقل من هذا لأعطيناكاه يعني بعناك بلال بأقل من هذا السعر فقال أبو بكر يظهر قيمة بلال عند الله تبارك وتعالى لو طلبت أكثر من هذا لدفعت،
عمار بن ياسر وأمه وأبيه: كذلك وقع العذاب عليهم، فكانوا يخرجونهم إلى البطحاء ويعذبونهم فكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمر بهم ويقول صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة فمات ياسر وماتت سمية أم عمار في العذاب وهي كما يقال أول شهيدة في الإسلام . وبلغ الاضطهاد أشدّه حتى إن خباب بن الأرت يقول أتيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو متوسد ببردة في ظل الكعبة (أي مستند على عباءة) وقد لقينا من المشركين أشده فقلت ألا تدعو الله فقعد وهو محمر وجهه وقال قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعظم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار على مفرق رأسه يشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون، رواه الإمام البخاري في صحيحه. ومع هذه الاضطهادات كلها كان الله تبارك وتعالى مع أوليائه سبحانه وتعالى كما قال"إن الله يدافع عن الذين آمنوا".
عودة إلى الدعوة السرية:
ولما اشتدت الدعوة وزاد الإيذاء رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الدعوة السرية صلوات الله وسلامه عليه وذلك في دار الأرقم بن أبي الأرقم. وكانت دار الأرقم على الصفا وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم فاختارها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لتكون مكانًا لاجتماعه باتباعه صلوات الله وسلامه عليه وقد كانت هذه الاضطهادات في بداية السنة الرابعة من دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الهجرة إلى الحبشة:
وكان من حرص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أصحابه أنه لما رأى كثرة الاضطهاد أمرهم بالهجرة إلى الحبشة وكان ملك الحبشة حينئذ رجلًا يقال له أصحمة وقد ذكر بالعدل فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لبعض المسلمين اذهبوا إلى أصحمة فإنه ملك عادل لا يظلم (بضم الياء وتسكين الظاء) عنده أحد. وكانت الهجرة الأولى وذلك سنة خمس من النبوة فهاجر اثنا عشر رجلًا وأربع نسوة إلى الحبشة وكان رئيسهم عثمان بن عفان رضي الله تبارك وتعالى عنه ومعه بنت النبي رقية رضي الله تبارك وتعالى عنها. ووقعت حادثة غريبة في تلك السنة في رمضان وذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج إلى الحرم وهناك جمع كبير من قريش في نواديهم كما هي عادتهم فقام فيهم وأخذ يتلو سورة النجم"والنجم إذا هوى …هذه السورة بما احتوته من معان وألفاظ عجيبة لم يسمعوا مثلها أبدًا فلما وصل صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى هذه الآية"فاسجدوا لله واعبدوا"سجد صلوات الله وسلامه عليه فلم يتمالك أحد منهم حتى خرّ ساجدًا فسجدت كل مكة وذلك أن روعة هذه الآيات أخذت بألبابهم وجعلتهم يسجدون مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولما بلغ هذا الخبر وهو سجود أهل مكة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ظن بعض الناس أنهم آمنوا وأنهم تابعوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووصل هذا الخبر إلى أهل الحبشة ظنوا أن قريشًا كلها دخلت في الإسلام فرجعوا إلى مكة مرة ثانية في السنة نفسها في شوال فلما وصلوا إلى مكة تبين لهم أن الأمر ليس كذلك وأن ذلك السجود إنما وقع منهم اعترافًا وإقرارًا من داخل نفوسهم بصحة نسبة هذا القرآن إلى الله تبارك وتعالى."
قصة الغرانيق:
جاء في بعض الروايات قصة يقال لها قصة الغرانيق وهذه القصة مجملها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قرأ سورة النجم بلغ قول الله تبارك وتعالى"أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذًا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان"تذكر بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قرأ"أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى"سمعت قريش قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد ذلك يقول تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى فتكون هكذا أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى سجد أهل مكة الكفار منهم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنه مدح أصنامهم وأثنى عليها. وهذه القصة باطلة ليس لها سند صحيح وإن ذكرها بعض أهل العلم والدليل على بطلانها:
أولًا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يمكن أبدًا أن يقول مثل هذا الكلام وذلك أن هذا الكلام كفر كيف يثني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على اللات والعزى.
ثانيًا: هذه الرواية تخالف رواية صحيحة في البخاري والتي ذكرناها قبل قليل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما قرأ سورة النجم كاملة فسجدت قريش لهذه السورة لا لأجل ما ذكر أنهم سمعوه وهو تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى.
ثالثًا: ذكر بعض الرواة أن الشيطان ألقاها أي هذه الكلمات على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يشعر وهذا باطل إذ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يمكن أبدًا أن يخلط بين قول الله وقول الشيطان،