رابعًا: سند هذه القصة ضعيف، فلا شك إن هذه الدلائل كلها تدل على بطلان هذه القصة. وعلى فرض صحتها وأنها وقعت كذلك فإنما يكون الشيطان هو الذي قال هذا لكفار مكة ولم يسمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما قرأ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فقام الشيطان وقال تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى، فظن أهل مكة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الذي مدح آلهتهم وليس الأمر كذلك. وذلك أن الشيطان قلد صوت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الهجرة الثانية إلى الحبشة:
لما رجع المهاجرون من الحبشة إلى مكة ورأوا حقيقة الأمر وجليته وهو أن كفار مكة ما دخلوا في الإسلام وأن تلك كانت إشاعة فهاجروا مرة ثانية إلى الحبشة ولم يهاجر الجميع وإنما بعضهم بقي كعثمان رضي الله عنه وبعضهم هاجر مرة ثانية وتبعهم آخرون فكانت الهجرة الثانية وكان فيها ثلاث وثمانون رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وثماني عشرة أو تسع عشرة. عند ذلك ذهب سادات قريش إلى أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالوا له يا أبا طالب إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك ولم تنهه، (أي طلبنا منك أن تنهاه فلم تنهه) وإنّا والله لا نصبر على هذا يأتي ويقرأ القرآن بين أظهرنا هذا ما لا نتحمله أبدًا ومن شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين وهذا تهديد قوي من قريش إلى أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما رأى أبو طالب هذا الأمر قد اشتد بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني وقالوا لي كذا وكذا وذكر له ما قالوا فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن عمه سيخذله وأنه ضعف عن نصرته فقال صلوات الله وسلامه عليه يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته ثمّ استعبر صلوات الله وسلامه عليه وبكى وقام وترك أبا طالب عمه واجمًا من هذا الكلام الذي قاله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه الرواية وإن كانت لا تصح سندًا وهي قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته لكن كما ذكر أهل العلم أن السيرة يتسامح بها ولا بأس بذكرها لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثبت أنه لم يتنازل ولكن هل قال هذه الكلمة بذاتها أو قال غيرها العلم عند الله تبارك وتعالى. فلما مشى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وترك أبا طالب واجمًا انتبه أبو طالب ثمّ نادى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرجع إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له أبو طالب اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت والله لا أسلمك لشيء أبدا وذكر أبياتًا طيبة يبين فيها صدقه مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنه ناصره وإنه لن يسلمه إلى كفار مكة أبدًا قال:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ،،،،،،،،،، حتى أٌوَسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ،،،، وابشر وقَرّ بذاك منك عيونا
ودعوتني وزعمت إنك ناصحي ،،،،، فلقد صدقت وكنت قبل أمينا
وعرضت دينًا قد عرفتُ بأنه ،،،،،،،،،،، من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة ،،،،،،،،، لوجدتني سمحًا بذاك مبينا
قال هذه الأبيات فانصرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرحًا بما سمع من أبيات ومن كلام أثلج صدره من عمه أبي طالب فلما رأت قريش أن أبا طالب قد أبى أن يخذل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنه مجمع على فراقهم ذهبوا إلى عمارة بن الوليد بن المغيرة وقالوا له يا عمارة نعطيك أبا طالب فتكون ولدًا له ونأخذ محمدا بدلك ثم نقتله وجاؤا أبا طالب وقالوا يا أبا طالب إن هذا الفتى (أي عمارة بن الوليد بن المغيرة أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه لك عقله ونصره،(والعقل يعني ما تتحمله العاقلة في القتل وما شابه ذلك وهم الأقارب) ، واتخذه ولدًا فهو لك وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك وفرّق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل برجل فقال أبو طالب والله لبئس ما تسومونني أتعطونني ابنكم اغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟! هذا والله ما لا يكون أبدا. والملاحظ من موقف أبي طالب من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن كفار مكة يستغرب كيف أن أبا طالب لم يسلم ولم يتابع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولو وقفنا مع قول أبي طالب لولا الملامة أو حذاري (بضم الحاء) سبة (بضم السين) لوجدتني سمحًا بذاك مبينا هذا الذي منع أبا طالب من اتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق ولذلك قال الله تبارك وتعالى"قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"فهم يعلمون الحق ويعلمون أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق وإنه رسول من عند الله وأن الذي يتلوه ليس شعرًا ولا سحرًا ولا كهانة ولكنه الكبر والعياذ بالله تعالى.
إسلام حمزة:
ثمّ جاء بعد ذلك النصر من الله تبارك وتعالى بإسلام رجلين أما الأول فهو حمزة عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخوه من الرضاعة (أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب) وسبب إسلامه أن أبا جهل عدو الله مرّ برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو عند الصفا فآذاه وسبه ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ساكت لا يكلمه ثمّ قام أبو جهل فحمل حجرًا فضرب به رأس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فشجه حتى نزف منه الدم ثمّ انصرف عنه إلى نادي قريش يعني مكان جلوسهم فجلس معهم وكانت مولاة (أي أمة) لعبد الله بن جدعان رأت ذلك فلما أقبل حمزة من القنص (أي صيد الطيور) متوشحًا قوسه جاءته هذه الأمة فأخبرته بما رأت وماذا فعل أبو جهل بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فغضب حمزة رضي الله عنه وأرضاه وكان رجلًا شديدًا وكان في عنفوان شبابه وكان من أشجع قريش في ذلك الوقت رضي الله عنه وأرضاه ومحمد ابن أخيه فخرج يسعى ثمّ جاء لأبي جهل فلما دخل قام على رأسه وقال له تشتم ابن أخي وأنا على دينه ثمّ قام وسبه ثمّ ضربه بالقوس وشجّ وجهه شجة منكرة فثار رجال من بني مخزوم (يعني من قوم أبي جهل) وثار رجال من بني هاشم لحمزة حتى كادت أن تكون معركة بين الحيين فقال أبو جهل دعوا أبو عمارة فإني سببت ابن أخيه سبًا قبيحا. قال حمزة رضي الله عنه: فلما خرجت فكرت في الأمر فقلت كيف قلت أنا على دينه وأنا لم أسلم بعد فما هو إلا أن شرح الله تبارك وتعالى صدري للإسلام وذلك أنه ذهب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا ابن أخي إني قلت كذا وكذا فماذا أصنع فدعا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يشرح الله تبارك وتعالى صدره للإسلام فشرح الله جل وعلا صدره للإسلام وأسلم وكان إسلامه نصرًا للمؤمنين.
إسلام عمر:
وأما إسلام عمر وهو النصر الثاني فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد ثبت عنه أنه قال اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام . وقصة إسلامه فيها أكثر من رواية ولكن أقرب الروايات إلى الصحة هي أن عمر رضي الله عنه قال: خرجت يومًا إلى البيت (البيت الحرام) فدخلت في ستر الكعبة والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائم يصلي وقد استفتح سورة الحاقة فجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأ وأنا استمع وأعجب من تأليفه (أي من تأليف هذا القرآن) فقلت في نفسي هذا والله شاعر كما قالت قريش فكانت قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد وصلت إلى هذا الموضع"إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلًا ما تؤمنون"فقلت في نفسي كاهن فقرأ"ولا بقول كاهن قليلًا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين"فوقع الإسلام في قلبي. ولما أسلم عمر جاء إلى رجل يقال له جميل بن معمر وهذا الرجل نقالة للحديث لا يستطيع أن يسكت أبدًا فقال له أريد أن أخبرك شيئًا قال وما هو؟ فقال له: أسلمت فقام هذا الرجل (جميل بن معمر) فنادى بأعلى صوته إن ابن الخطاب قد صبأ إن ابن الخطاب قد صبأ ويسير فيها إن ابن الخطاب قد صبأ وعمر بن الخطاب يجري خلفه ويقول كذب ولكني أسلمت فقاموا إلى عمر رضي الله عنه فصاروا يقاتلونه (أي يضربونه وهو يضربهم ويضربونه هكذا حتى ارتفعت الشمس وذكرت بعض الروايات أنهم ضربوه حتى سقط مغشيًا عليه من شدة ضربهم. عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر وقال كذلك مازلنا أعزة منذ أسلم عمر.
عتبة بن ربيعة يحاول مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم: