فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 316

وبعد ثلاث سنوات نقضت (بضم النون) هذه الصحيفة وجميلة جدًا قصة نقض الصحيفة والذي أشعل فتيل نقضها رجل يقال له هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي وكان هذا الرجل يصل بني هاشم في الشعب (يوصل إليهم بعض الأطعمة) فذهب إلى زهير بن أبي أمية وزهير هذا أمه عاتكة بنت عبد المطلب يعني أن بني هاشم أخواله وعاتكة عمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له: يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتشرب الشراب وأخوالك بحيث تعلم؟ فقال: ويحك فما اصنع وأنا رجل واحد قال أما والله لو كان معي رجل آخر. قال: قد وجدت لك رجلًا آخر، قال: فمن؟ قال: أنا قال له زهير أبغنا رجلًا ثالثًا (أي حتى يتقويا) فذهب هشام بن عمرو إلى المطعم بن عدي والمطعم هذا من بني المطلب فجاءه وذكره أرحام بني هاشم وبني المطلب ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم فقال المطعم: ويحك ماذا أصنع إنما أنا رجل واحد؟ قال: قد وجدت ثانيًا، قال: من هو؟ قال: أنا، قال: أبغنا ثالثًا، قال: فعلت، قال: من؟ قال: زهير بن أبي أمية قال: أبغنا رابعًا، فذهب هشام بن عمرو إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحوًا مما قاله للمطعم فقال: فهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم، قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك قال أبغنا خامسًا، وهذا يبين لنا أن الكثيرين ما كانوا يرضون بهذا ولكنها سلطة الكبار اتخذ القرار أبو جهل وعتبة وأبو سفيان وأبو لهب والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم اتخذوا هذا القرار وكان على الجميع السمع والطاعة، فذهب هشام بن عمرو إلى زمعة بن الأسود بن المطلب وهذا زمعة يقال أنه والد سودة بنت زمعة أم المؤمنين ويقال إنه أخوها والظاهر أنه أبوها لأنها هي سودة بنت زمعة بن الأسود وهو زمعة بن الأسود فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم فقال له زمعة: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم، قال: من؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي و أبو البختري بن هشام وأنا، فقال زمعة بن الأسود: وأنا معكم فاجتمعوا وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة ولكن كيف؟ وكبار قريش هم الذين كتبوها وهم الذين اتفقوا عليها، كيف يستطيع هؤلاء الخمسة أن ينقضوا تلك الصحيفة؟ قال زهير: أنا أبدأكم فأكون أول من يتكلم فوافقوا على ذلك فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم (أي إلى أماكن اجتماعاتهم) حول الكعبة وغدا زهير فطاف بالبيت سبعًا ثمّ أقبل على الناس وقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاعون منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة فقام أبو جهل وقال: كذبت والله لا تشق. هنا قام زمعة بن الأسود فقال لأبي جهل: أنت والله أكذب ما رضينا كتابتها حين كتبت فقام أبو البختري فقال: صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به فقام المطعم بن عدي فقال: صدقتما وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها فقام هشام بن عمرو فقال: صدقتم وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها، عندما تكلم هؤلاء الخمسة بهذه الصورة أمام الناس جميعًا وكما قلت كثير من الناس لا يرضون بهذا ولكن الكبار هم الذين قرروا وسطروا واجتمعوا على تلك الصحيفة فقام أبو جهل فقال هذا أمر قضي بليل تشوور (بضم التاء والشين) فيه بغير هذا المكان يعني أن أبا جهل فهم القضية وعرف أن هؤلاء الخمسة ما قاموا حمية بمجرد أن قام زهير وإنما قضية متفق عليها وكان أبو طالب موجودًا في ذلك الوقت فقام وقال: إن الله قد أخبر رسوله على أمر الصحيفة وقد أخبرني ابن أخي أن الله أرسل عليها الأرضة (وهي الدود التي تأكل الورق وغيره) فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ما فيه حق (يعني كل شيء باطل في هذه الصحيفة أكل(بضم الألف ) ) وما بقي في هذه الصحيفة إلا الحق فإن كان ابن أخي صادقًا فتنهوا هذه المقاطعة وإن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه (أي افعلوا ما شيء تم به قالوا أنصفت فقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فوجدها قد أكلت(بضم الألف) ما بقي فيها إلا قولهم باسمك اللهم وما كان فيه اسم الله تبارك وتعالى فإنها لم تأكله وما كان غير ذلك قد أكل كله فرجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورجع من معه إلى مكة مرة ثانية. ورجع مرة أخرى إلى الدعوة إلى الله تبارك وتعالى فقام أهل مكة إلى أبي طالب مرة ثانية وقالوا له ليكف عنا ابن أخيك لسانه الصحيفة ونقضناها ورجعتم كما كنتم ليترك الدعوة إذًا فجاء أبو طالب وجاء معه بعض نفر من قريش فكلموا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقالوا له: ماذا تريد منا؟ قال: أريد كلمة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، قالوا: كلمة، قال: كلمة فقام أبو جهل وقال: وأبيك أعطيك مائة كلمة (إذا كانت القضية مجرد كلمة أعطيك مائة كلمة) فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قولوا لا إله إلا الله فقال أبو جهل: أما هذه فلا. هذه الكلمة لا نعطيكها أبدًا، أتريد أن تجعل الآلهة إلهًا واحدًا يا محمد؟ فأنزل الله تبارك وتعالى"بسم الله الرحمن الرحيم، ص، والقرآن ذي الذكر، بل الذين كفروا في عزة وشقاق، كم أهلكنا من قبلهم من قرن ونادوا ولات حين مناص، وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب، أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إنّ هذا لشيء عجاب، وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إنّ هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق". نرى أن كفار مكة امتنعوا عن قول لا إله إلا الله فلم لم يقولوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا إله إلا الله ثمّ بعد ذلك يبقون على دينهم الذي هم عليه؟ لماذا؟ لأن أبا جهل وعتبة و عقبة بن أبي معيط والوليد بن مغيرة وأبا لهب وغيرهم كثير كل هؤلاء يعلمون علم اليقين معنى لا إله إلا الله وملايين المسلمين الآن في زماننا هذا لا يعرفون معنى هذا الكلمة أبو جهل يعلم أنه إذا قال لا إله إلا الله إنه سيلتزم بهذه الكلمة وأنه سيترك جميع الأصنام وإنه لن يدعو إلا الله ولن يذبح إلا لله ولن ينذر إلا لله ولن يخاف إلا من الله يعني الخوف الشرعي ولن يستغيث إلا بالله ولن يصلي إلا لله ولن يطوف إلا لله ويطيع رسول الله يعلم ما يترتب على هذه الكلمة ولكن الكثير من المسلمين الآن يقولون لا إله إلا الله ولكنهم يذبحون لغير الله وينذرون لغير الله ويخافون من غير الله ويستغيثون بغير الله ويسألون غير الله تبارك وتعالى وهذا كله بسبب الجهل .

وفاة أبو طالب:

بعد هذا الكلام سكتت قريش عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فترة من الزمن ثمّ كانت وفاة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذلك سنة عشر من النبوة (أي بعد خروجهم من الشعب بستة أشهر) . عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه عن أبيه المسيب رضي الله عنه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعنده أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية (أخو أم سلمة أم المؤمنين هند بنت أبي أمية) فقال نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمه أبي طالب أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب فعاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليه وهم يعيدان والنبي يعيد وهم يعيدان فلم يزالا به حتى قال آخر كلمة هو على ملة عبد المطلب ثمّ مات بعد ذلك فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لاستغفرن لك ما لم أنه (بسكون النون والهاء) عنك فنزل قول الله تبارك وتعالى"ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم"ونزل كذلك قول الله تبارك وتعالى"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء"سبحانه وتعالى.

وفي هذه القصة من الفوائد الشيء الكثير منها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان حريصًا على إسلام أبي طالب، ووالله لو قال أبو طالب تلك الكلمة لنفعته وذلك انه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في البخاري وغيره أنه دخل على غلام يهودي وهو على فراش الموت فقال له قل لا إله إلا الله فالتفت الغلام إلى أبيه فقال له أبوه أطع أبا القاسم فقال الغلام أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثمّ مات فخرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يقول الحمد لله الذي نجاه من النار فوالله لو قالها أبو طالب لنجاه الله من النار ووالله لتمنينا جميعًا أن يكون أبو طالب قالها والله ما حزنا أبدًا ولن نحزن أبدًا لو آمن أبو طالب بل نتمنى ذلك، ونتمنى أن يؤمن جميع الناس ولكننا مع النصوص وهو أن أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يسلم ولم يتابع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. مع أنه ناصره و دافع عنه وحماه وخرج معه إلى الشعب بل ورباه في صغره ومع هذا كله يموت على الشرك. قال ابن كثير رحمه الله تعالى كان أبو طالب يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال ونفس ومال ولكن مع هذا لم يقدر الله تبارك وتعالى له الإيمان لما له تعالى من الحكمة العظيمة والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الإيمان بها والتسليم لها ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبي طلب وترحمنا عليه.

والغريب في هذه القضية أن عبدالله بن أبي أمية الذي شارك أبا جهل في منع أبي طالب من الاستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسلم عام الفتح وذكروا أنه استشهد في حنين وقد ثبت أن العباس بن عبد المطلب قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما أغنيت عن عمك (أي أبا طالب) فإنه كان يحوطك ويغضب لك فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل في النار نسأل الله تبارك وتعالى الهداية والعافية.

وفاة خديجة رضي الله عنها:

بعد أن حزن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على موت عمه أبي طالب جاءته الصدمة الثانية بخبر موت خديجة أم المؤمنين رضي الله تبارك وتعالى عنها وأرضاها فتوفيت بعد عمه أبي طالب بأشهر وقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال أتى جبريل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتت (يعني قبل موتها) معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

الدعوة إلى الطائف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت